4
وكان السجن المدني في تونس يعج بآلاف المعتقلين من النساء والرجال والأطفال، فقامت إحدى السجينات في قسم النسوة وقالت لزميلاتها: هذا عيدنا فلنحتفل به، ولنبرهن على عواطفنا ولنعبر عن شعورنا، ولنشارك شعبنا، فتعالت الهتافات: يحيا الاستقلال، يحيا الحبيب بورقيبة، وثارت في صدور السيدات والأوانس السجينات العواطف والأحاسيس، فانطلقت حناجرهن بالأناشيد الوطنية، وتدخل الحراس في الأمر وهاجموا السيدات، فأثار هذا التدخل عواطف السجناء الرجال، فانضموا إلى النساء منشدين هاتفين.
فعاقبتهم إدارة السجن جميعا، وحكمت عليهم بالحرمان من كل مئونة تأتي من الخارج، ومن زيارة أقاربهم وأفراد عائلاتهم.
وأعلن المسجونون كلهم إضراب الجوع ابتداء من مساء يوم الثلاثاء ثاني عيد (24 يونيو).
وخشيت السلطات الفرنسية ثورة داخل السجن، فعززت الحراس بثمانين من أعوان البوليس.
ولم تنقطع المظاهرات الشعبية أسابيع بعد العيد، ففي الساعة الخامسة من ظهر الجمعة 27 يونيو تظاهر عدد كبير من النسوة والرجال والشبان والأطفال أمام بيت الهادي بن رايس وزير التجارة في الوزارة الخائنة بشارع السيدة عجولة، ودوت الهتافات المعادية بسقوط الاستعمار وبسقوط الوزارة الموالية له.
وسعى البوليس الفرنسي الذي يحرس بيت الوزير الخائن في تفريق المتظاهرين بالقوة ولكنهم عجزوا، فاستنجدوا بقوات جديدة أتت مسرعة، وانسحب الوطنيون ليجتمعوا من جديد بعد دقائق أمام بيت خائن آخر وهو الوزير دنقزلي، فحمل عليهم البوليس هناك وألقى القبض على أربع نساء.
وتتابعت الهجمات على القوات المسلحة والبوليس، فقد شرع الوطنيون - في بلدة الحامة - في الساعة الحادية عشرة ليلا في محاصرة مركز البوليس، وأطلقوا النيران عليها، ولم تعلن السلطات الفرنسية عن عدد المصابين من أعوان البوليس.
وكانت مدينة سوسة ميدانا لنشاط الوطنيين في ليلة الأربعاء 25 يونيو، فقد هاجموا مستودعا للذخيرة (ميرادور) وأطلقوا النار على الحارس، ولكنهم انسحبوا بعد حين.
وأطلقوا النار أيضا على أحد مدافع خفر السواحل، وطالت المعركة بين الوطنيين وبين الجند، واختفى المهاجمون في الظلام ولم يصب واحد منهم بأذى.
وإن عيد الفطر من تلك السنة قد سمي عيد الجهاد، ولكنه كان في الحقيقة عيد الانفجارات.
محاولة اغتيال الملك
طلع صباح 17 رمضان (12 / 6 / 1952) وكان السكون يشمل مدينة تونس والصمت يخيم عليها وما زال دوي الانفجارات الليلية يرن في الآذان، وازدحمت الشوارع بعد ساعات بالتونسيين، وجوه عابسة وعيون يبرق منها الغضب ممزوجا بحزن ونظرات مغلقة، يمرون وسط العساكر المدججة بالسلاح والبوليس المستعد للهجوم غير عابئين بتهديدهم ولا ملتفتين إليهم، وكانت تلك الوجوه مغلقة مقفلة كالأبواب والنوافذ يقرأ فيها العزم وتتراءى منها البغضاء، وانتشرت إذ ذاك شائعة تسربت مع الحيطان وسارت في الشوارع وانتقلت من دكان إلى دكان، ومن بيت إلى بيت، ثم أصبحت الشائعة خبرا يقينا لا يداخله شك، فكانت همسا وأصبحت صوتا واضحا وأضحى الصوت صراخا وصياحا والصراخ اضطرابا وهيجانا؛ نزل خبر محاولة الاستعمار تسميم جلالة الملك كالصاعقة.
ولم يستغرب شعب تونس فظاعة الحادث؛ لأن من يرتكب جريمة قتل الأطفال الرضع دوسا بالأقدام لا يتحاشى عن ارتكاب أي شنيعة أخرى، خاصة وأن جلالة الملك رفض أخيرا الإصلاحات الكاذبة المزعومة التي عرضتها فرنسا عليه، ولما وجده الاستعمار صعب المراس رغم تطاعنه في السن، مستعصي الانقياد رغم نحافة جسمه ولطف مزاجه، فليس من المستحيل أن سعى في التخلص منه بهذه الطريقة الملتوية التي تنافي الشرف وتلحق بأصحابها عارا لا يمحى.
وقد ظهر فيما بعد أنها مؤامرة دبرت بليل ويقال إنه شارك فيها كبار الموظفين العالين الفرنسيين وأفراد من الأسرة المالكة.