تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا نكون مبالغين مهما ازداد اهتمامنا بتلك المذكرة ومهما أكثرنا من الرجوع إليها، فقد كانت نقطة التحول السياسي إزاء تونس، وهي تحمل في تضاعيفها مسئولية الحوادث التي تبعتها والتي تنبأ بها بعض الموظفين بعيدي النظر بدون أن يلتفت إليهم ولا يسمع لهم قول.

فإن فقد التونسيون رصانتهم غضبا وبالغوا في بعض الأعمال المؤسفة ولم يسيروا بسفينتهم طبق المراد ولم يقودوها وفقا للمرغوب، فمن الواجب الاعتراف بسوء نية فرنسا وتحميلها مسئولية الإفراط في الاضطهاد.

وقد أكثر «م. بيني» ومسيو دي هونكلوك من التشدق ومن الثرثرة والكلام على وزارة شنيق رامين إياها بالتطرف، مدعين أن ليس لنهمها حد، معيدين أنها عاجزة عن إدارة البلاد. وهذا كله ثلب، فلنرجع إلى بعض الحقائق، فلا شك في أنه للمرة الأولى في تاريخ الحماية تصل تشكيلة وزارية تمثل الرأي العام إلى الحكم طبق اتفاق 17 / 8 / 1950 الذي تم بين المقيم لويس بريليه وجلالة الباي، ورضي بها الجميع بكامل الحرية ومن بينهم حزب الدستور الجديد، ولم يعد المقيم الفرنسي يفرض الوزارة كما كان يفعل من قبل، وقبلت الحكومة الجديدة إزاء ذلك ألا تخرج عن نطاق الحماية فيما ستسنه من إصلاحات وما ستدخله من تطور يرمي إلى الحكم الذاتي، وكانت الحالة واضحة والهدوء سائدا في البلاد والتفاهم مستمرا، وتم تطبيق الإصلاحات المنتظرة، ولم تبق في طور الإعداد إلا الإصلاحات المتعلقة بنظام البلديات. وقد أنجزت اللجنة المختلطة جميع النواحي الفنية، ولم تبق إلا مشكلة مبدئية تتعلق بميدان الانتخابات وتمثيل الفرنسيين في المجالس البلدية، وكادت الحكومة التونسية أن تقبل ذلك لو لم يرفض سلطان مراكش التوقيع على «ظهير» (مرسوم) مماثل، فرأى جلالة الباي ووزراؤه - للتضامن مع سلطان مراكش - أنهم لا يستطيعون قبول ذلك التمثيل بدون الحصول على ضمانات تشمل دراسة مبادئ ومجموع السلطات النيابية والتشريعية، وكانت من نتائج مشكلة الفرنسيين خطاب العرش في مايو 1951، وإعداد مفاوضات جديدة مع الحكومة الفرنسية نفسها بباريس، وكان موضوعها الحقيقي الحصول على تحديد دقيق للاستقلال الداخلي، وعلى تعريف المبادئ التي يجب أن يستند إليها تحقيق الإنجازات المقبلة، ولم يتطرق الحديث إلى آجال تلك الإنجازات إلا بصفة سطحية في مذكرة 31 أكتوبر، المتينة في تحريرها، الموزونة في لهجتها، والتي كان يمكن أن تتخذ أساسا لمفاوضات تقوم على الكياسة والمنطق، ولا يمكن بحال أن نغفل الصلة الوثيقة بين (التصريح المشترك) في 17 / 8 / 50 ومذكرة الوزارة التونسية (في 31 / 10 / 51)، وقد طلب لويس بريليه الذي سهر على تنظيم محادثات أكتوبر 1951 من وزارة شنيق أن تفض جميع المسائل الإدارية الهامة قبل القدوم إلى باريس؛ إذ ينبغي ألا تعرقل تلك المسائل الإدارية سير المفاوضات، وتتلخص تلك المسائل في توزيع الأراضي الإيطالية على قدماء المحاربين التونسيين والفرنسيين، وفي زيادة الأجور، ومنح الموظفين الفوائد التي يعطيهم إياها تطبيق قانون الوظيفة الفرنسي، وإحداث إيرادات لتسديد تلك المصاريف الجديدة، وتمت الأمور كلها وأحرزت على رضى الجميع، وخاصة مسيو روبير شومان الذي تبني طلبات لويس بريليه.

وقد رأينا من الضروري بيان تلك التفاصيل الفنية؛ لأن المشاكل كانت دقيقة فعلا، وإن ذلك الواقع المحسوس ليكذب وحده ادعاءات بيني ودي هوتكلوك. أما حججهما فلا قيمة لها؛ لأنهما استنتجاها من فترة ما بين 21 أكتوبر و4 مارس التي جعلها موقف فرنسا نفسها فترة استثنائية، ومن أراد قتل كلبه فمن السهل أن يدعي أنه مصاب بداء الكلب.

والعنصر الثاني الدال على سوء نية الحكومة الفرنسية ردها على المذكرة التونسية؛ إذ رأينا أن الوزراء التونسيين كانوا يطالبون بجواب يوضح المبادئ ويحدد الحكم الذاتي تحديدا كاملا، وكانوا يظنون أن هاتين العبارتين مسلم بهما متفق عليهما، فماذا حصلوا بعد مفاوضات دامت شهرين كاملين؟ حصلوا على جزم بات في نص مكتوب، بأن تونس مرتبطة بفرنسا ارتباطا أبديا؛ أي بمبدأ السيادة المشتركة التي عوضت هكذا الحكم الذاتي، فقد أخلفت فرنسا وعدها هذه المرة أيضا، وأبرزت فرنسا فكرة سيادة الباي، عندما حاولت في يناير 1952 التراجع عما تعهدت به. وتلك عبارة عابرة تظهر معارضة فرنسا لفكرة السيادة التونسية مهما تكن معارضتها، ولكل حل يرمي إلى السير بالشعب التونسي نحو استلام مسئوليات الحكم في بلاده، وفي ذلك الوقت نفسه صارت ليبيا مستقلة.

تونس الثائرة · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٤٦