تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد أعيدت غلطات الماضي بواسطة أشد الألفاظ السيارة فسادا، ولم تقم أي وزن للواقع، ولا لإمكانيات التسوية التي ظهرت سنتي 50 و51. وقد قدم حزب «الحركة الجمهورية الشعبية» مساعدة فعالة - كانت حاسمة - للحلول التي كان يسعى إليها «ذلك التجمع الفرنسي» في تونس وأعوانه في فرنسا من حزب تجمع الشعب الفرنسي، وحزب تجمع اليسار الجمهوري والمستقلين.

ولعبت الحكومة دور «بونس بيلات» فنقضت يديها من المشكل، فكان جواب مجلس الوزراء المنقسم على نفسه ل «م. دي هوتكلوك» الذي كان يطلب تعليمات دقيقة مضبوطة ليحصل على إبعاد السيد شنيق أن «افعل ما تراعه لكي تبرز الإصلاحات»، فاستخدم المقيم تلك التعليمات كأنها تفويض مطلق. ورغم دهشة عدد من وزرائنا إثر العدوان على شنيق، فإنهم يتحملون مسئولية جراح قد يطول برؤها ويتعذر اندمالها، وهي تنقص من تأثير الإصلاحات المنتظرة ولو كانت جريئة، وذلك ما نشك فيه حسب ما لدينا من معلومات عنها.

وكان لوفل

Louvel

ودي شيفيني

De Chevigné (الذي تخرج في مدرسة مدغشقر) يؤيدان في مجلس الوزراء سياسة القوة والاضطهاد باسم حزب الحركة الديمقراطية الشعبية، وتكلف بيدو بالاستحواذ على كتلة النواب من ذلك الحزب، فتكلم فيهم بصوت حاد قضى على كل معارضة في مهدها، ودافع عن الجنرال جارباي معلنا تضامنه معه.

وأيد موريس شومان المعروف بتأثره السريع وانقياده السهل وجهة نظر موظفي الكي دورسي والتجمع الفرنسي، وأنقذ فونلبت إسبيرابير

Fonlupt Espéraber

وأندري دونيس

André Denis

شرف كتلتهما بتصريحات جريئة ألقياها في الجمعية الوطنية يوم أول أبريل، وقد فضح دونيس الضغط الذي تقوم به الجالية الفرنسية بتونس في مجلس الوزراء نفسه.

يجب أن نعلم أن مجرد لفظة «إصلاحات» يتلفظ بها أي مقيم إلا ويصبح محل ريبة عند الفرنسيين المقيمين بتونس، كما يجب أن نعلم أن هؤلاء الفرنسيين قد نجحوا في نقلة «م. مونص» سنة 1950؛ لأن كرسيه كان أقل ارتفاعا من كرسي جلالة الباي، وفي ذلك مس لا يحتمل بسمعة فرنسا! ويجب أن نعلم أن المقيمين الذين لا يحوزون ثقة هؤلاء الفرنسيين يصبحون عرضة للتجسس المنظم، وكثيرا ما يرسل حزب التجمع الفرنسي وفودا إلى باريس مهمتها مقاومة كل دراسة للإصلاحات، ويجب أن نعلم أن الأبواب الرسمية تفتح في وجوهها بنفس السهولة التي تفتح في وجه المقيم نفسه، وقد وجد ممثلو فرنسا مرات عديدة في قاعة انتظار الوزراء «فريق الهجوم» لفرنسيي تونس ينتظر دوره للمقابلة؛ لكي يدحضوا كل حجة ترمي إلى تطور العلاقات الفرنسية التونسية.

ويجب أن نعلم أن الذين يبثون الفكرة القائلة بأن الدستور الجديد حزب استبدادي ذو نظرية قومية إقطاعية يمثلون هم أنفسهم أشد إقطاعية وأكبرها في تونس، وهم ألد الخصوم لتطور البلاد نحو الديمقراطية؛ لأنها تحرمهم من الانفراد بالامتيازات التي يستفيدون منها ويعملون على أساسها.

وأخيرا يجب أن نعلم أنهم يستطيعون الحصول بسرعة فائقة على التقارير السرية التي يرسلها المقيمون إلى وزارة الخارجية مع الحيطة والتحفظ، ثم يطبعونها كاملة ويوزعونها ليتمكنوا من مقاومة ممثلي فرنسا في باريس نفسها. ويجب أن نلاحظ في نهاية الأمر أن الفرنسيين المقيمين بتونس هم وحدهم الذين يستمع إليهم بانتباه، وهم الذين تنتصر دوما وسائل تهديدهم.

وإذا أراد المرء زيادة في الاقتناع بأثر نشاطهم، فيكفيه أن يرجع إلى المفاوضات التي بدأت يوم 31 أكتوبر بين الحكومة الفرنسية وحكومة محمد شنيق، وقد اشتملت هذه المفاوضات على طورين.

وكانت المباحثات جارية قبل أن تصل وفود التجمع الفرنسي، وكان التفاهم يسود الطرفين، وبدا من الممكن الوصول إلى تسوية مرضية.

وادلهم الجو بعد وصول تلك الوفود، وأصبحت كل مقابلة يقوم بها السيد شنيق إلا وتوازيها مقابلة تقوم بها جماعة «كزابيانكا وكلونا»، فتهاجم الوزير الأول التونسي ولا تتحاشى عن الثلب لتفنيد أقواله، وأقنعوا كل وزير بمهارة فائقة، وكانت مذكرة 15 ديسمبر انتصارا كبيرا سجله حزب التجمع الفرنسي.

تونس الثائرة · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٤٥