تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والعنصر الثالث الدال على سوء النية من جانب الحكومة الفرنسية، ادعاؤها المستمر بأن الدستور الجديد والحزب الشيوعي شيء واحد وإن اختلفت الأسماء، ولا فائدة في الكلام عن ذلك الادعاء المخالف للحقيقة.

وقائمة المخازي لم تنته بتلك القائمة مع الأسف، فبقي الاستناد إلى قانون الأحكام العرفية لاعتقال وزارة كاملة، وبقي الاضطهاد، وبقيت مساومة الباي وتهديده بالخلع (راجع: سيادة جلالة الباي)، وبقي اعتقال نويرة الزعيم الدستوري المعتدل؛ لأنه رفض أن يكون وزيرا في تشكيله بكوش التي طال بها المخاض وصعبت ولادتها.

وبقيت أيضا مسألة تتطلب شيئا من الإيضاح، وهي نشر الحكومة الفرنسية، في أوائل شهر أبريل الرسائل التي كتبها الحبيب بورقيبة، وقد عثر عليها البوليس أثناء إجراء تفتيشاته، فقدمتها غذاء للرأي العام الفرنسي الذي زعزع فكرته الإفراط في الاضطهاد والإغراق فيه.

وكأن تلك الحجة بينة في ظاهرها، فالرسائل تعتبر من غير شك إمكانية استخدام القوة بما فيها من نواح مادية كالسلاح والأموال والحركة الدبلوماسية، وتواطأت الصحافة - عن قصد أو عن غير قصد - مع الحكومة الفرنسية على الأمر، فلم تقدم أي بيان عن تلك المراسلة ولم تقم بنقد نصوصها، ولو دققنا النظر في تاريخها لرأينا أنها كتبت 12 / 5 / 1950 وفي 5 / 7 / 1950 أي قبل أن تبدأ تجربة «شنيق-بريللي»، وقبل أن يقبل حزب الدستور الجديد المشاركة في الوزارة التي تألفت في 17 / 8 / 1950.

ولنتحدث عن الأشخاص؛ لمن يكتب بورقيبة؟ بل كان في الحقيقة يجيب، ولكن يجيب من؟ لم تعط لنا أي معلومات عن شخصية مراسلي الزعيم الوطني، ويبدو بوضوح من النص الذي قرأناه (لوموند في 6 و7 أبريل سنة 1952) أن الحبيب بورقيبة كان يكتب لشخص أكثر تطرفا منه، وهو يحاول إقناعه بأن سياسة الحزب الدستوري الجديدة (وهي معتدلة) تمكن تونس أيضا من الوصول إلى استقلالها، وهو بذلك يريد إزالة قلق ويرد على نصيحة بالتشدد، ولكي يقنع مراسله (وهذا أمر طبيعي) ركز تفكيره في المواضيع التي طرحها من وجه إليه السؤال. إن الحبيب بورقيبة يدافع عن سياسته، فتطرقه هكذا إلى الحديث عن «الكفاح المسلح» (الذي أوعز به مراسله) ولكنه وضعه بعد استحالة الوصول إلى تسوية بالطرق السلمية، فقال: «إذا أصرت فرنسا (وهذا هو المحتمل مع الأسف) على رفض كل تسوية حقيقية وشريفة.» وقال: «إذا حصل صدع لا يلتئم وجرح لا يداوى ولا يندمل. وأمر لا يمكن تلافيه وإصلاحه - وهذا ما لا بد من وقوعه إذا أصرت فرنسا على عماها ...» ولا يمكن أن يؤاخذ على شكه في نوايا الحكومات الفرنسية.

وسوف لا نحلل ما أتى به زعيم الدستور الجديد في تلك الوثائق من أحكام سياسية حصيفة نيرة، ولنذكر منها تنبؤه بموقف الباي إذا أصبح النزاع خطيرا، وحوادث مارس الماضي أيدت رأيه، وتحليله الدقيق المتين لموقف الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في السياسة العالمية، وإيضاحه لضغط الجالية الفرنسية بتونس على الحكومة وكفاحهم ضد المقيم بريليه.

والمسألة الوحيدة التي يمكن المؤاخذة عليها حسب نظر موضوعي في تلك المراسلة، هي جزم نزيه بفكرة قومية متحمسة ومتطرفة أحيانا، ولسنا في حاجة إلى تلك الرسالة لتعلمنا بما كنا نعلمه من قبل، ولكن حكامنا في حاجة إليها ليعدوا العدة تمهيدا لمحاكمة الحبيب بورقيبة.

وقد انتهت الحرب الباردة التي شنها دي هوتكلوك على شنيق بانتصار المقيم الفرنسي انتصارا مؤقتا، ولكنه لم يحرز على الدخول من جديد إلى قصر الباي إلا عندما اندس خلف مبعوثي رئيس الجمهورية، وما كان أحد يعتقد عندما أذيع إنذار يوم 26 مارس أن فرنسا ستذهب إلى هذا الحد مع أن رد 15 / 12 / 1951، وعوامل السياسة الداخلية التي ذكرناها تؤدي حتما إلى مثل تلك الحلول، وقالوا: إن شرف فرنسا تدنس بموقفها هذا. ولم يكونوا مخطئين، إذن لم نستفد من درس الهند الصينية، وبلاغ الانتصار الذي نشره دي هوتكلوك يشبه إلى حد بعيد تصريح تييري دارجنليو

تونس الثائرة · الصفحة ١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٤٧