وظن المقيم العام أن في مقدرته أن يقضي على كل مقاومة، ويفتك بكل من يحاول أي عمل وطني، فألقى القبض على مئات ومئات من التونسيين في جميع جهات القطر، واعتقل كل من يشتم منه رائحة الوطنية.
2
وليشل حركة النشر والصحافة ألقى القبض أيضا على مدير جريدة «الصباح»، الأستاذ الحبيب شيخ روحه ورئيس تحريرها الأستاذ الحبيب الشطي.
وأراد أن يلبس الحق بالباطل، وأن ينقص من عطف الأحرار في العالم على القضية التونسية، وأن يبرر طغيانه واعتداءاته؛ فادعى في غير خجل أن بتونس تعاونا وثيقا بين الحركة الوطنية وبين الشيوعيين - وذلك كذب صراح لم ينطل على أحد - فنقل سلطات الأمن من أيدي المدنيين إلى العسكريين، وسلمها إلى السفاك الشهير الجنرال غرباي، فقال في خطابه (27 مارس): «وفي سبيل الحيلولة دون كل محاولة جديدة للركون إلى العنف من طرف عناصر هدامة، إن هي ادعت استنكار المبادئ الشيوعية، فهي تقبل التعاون معها وتعتمد وسائلها الإرهابية؛ قررت أيضا إحالة التصرف في سلطات الأمن إلى الجنرال القائد الأعلى للجيوش، وذلك في كافة القطر.»
فزاد الجنرال غرباي الضغط شدة والاضطهاد تعسفا وعنفا، واتخذ حالا عدة إجراءات لتضييق الخناق على التونسيين جميعا، وأصدر أمرا بتوسيع منع التجول: «إن منع التجول ليلا الذي كان نافذا بالنسبة للمدينة العربية، أصبح شاملا لكافة مدينة تونس ... ويطبق هذا القرار بداية من اليوم الأربعاء 26 مارس 1952 من الساعة التاسعة مساء إلى الساعة الخامسة والنصف صباحا.»
ثم أصدر أمرا ثانيا جند فيه جميع التونسيين وكون منهم فرقا، مهمتها حراسة السكك الحديدية وأعواد التليفون والمباني العامة، وحملهم مسئولية كل حادث يقع في جهتهم. ولا يخفى ما في ذلك القرار من ظلم وإرهاق، ولكن مقاصده أشنع وأبشع؛ لما احتوت عليه من فكرة شيطانية جهنمية؛ إذ يريد أن يجعل التونسيين يتقاتلون ويتحاربون، فتشتد الخصومة بين الحراس وبين الفدائيين. ولكن فطنة الشعب التونسي ووحدة صفوفه خيبت ظنه وسفهت أحلامه، وإنا ننشر هذا القرار الذي سيبقى وصمة عار في جبين الاستعمار الفرنسي:
قرار من الجنرال القائد الأعلى للجيوش التونسية وزير الدفاع عن التراب بتاريخ 26 مارس 1952 يتعلق بأحداث «فرقة أمن»
إن الجنرال غارباي وزير الدفاع عن التراب التونسي.
بعد الاطلاع على ما خولت له من النفوذ حالة الحصار المعلنة بالأمر العلي الصادر في غرة سبتمبر 1939.
وعلى الأمر العلي المؤرخ في 9 يونيو 1940 في ردع مخالفات النصوص التي اتخذت لتنفيذ الأمر المؤرخ في غرة سبتمبر 1939.
وعلى الأمر العلي المؤرخ في 25 أكتوبر 1951 الصادر في تسمية وزير الدفاع عن التراب التونسي، قرر ما يأتي:
الفصل 1:
أن التونسيين من الذكور الذين يزيد سنهم عن الثماني عشرة سنة، يكون منهم بكل مشيخة بمقتضى هذا القرار «فرقة أمن» حفظا للسكك الحديدية والخطوط التليفونية والكهربائية والاستحكامات والبناءات العمومية في مجموع البلاد التونسية، وفي منطقة الإحكام لحالة الحصار.
الفصل 2:
كلف مجلس بإدارة «فرقة الأمن»، وهذا المجلس يترأسه الشيخ، ويتركب من عشرة أعضاء من أعيان المشيخة.
وهؤلاء الأعيان يقع تعيينهم من طرف المراقب المدني بعد استشارة العامل.
وتعويضهم عند الاقتضاء يكون بنفس الصورة المذكورة.
الفصل 3:
لمجلس الإدارة حق التفاوض والتقرير تحت إرشاد ونفوذ المراقب المدني في تنظيم وسائل التوقي المراد اتخاذها للقيام بالمأمورية المومأ إليها بالفصل الأول، مع مراعاة الأحكام الخاصة المتعلقة بحالة الحصار.
وهو ينظر على الأخص في خدمة الحراسة التي يجب القيام بها في هذا الصدد، وكذلك في توزيع السخرات بالمال أو العمل على أفراد «فرقة الأمن»، وتكون مفاوضاته وتقاريره نافذة بإذن المراقب المدني.