وبدون أن نسعى في التعليق على هذا الموقف الراسخ، فإنه من السهل أن نستنتج منه بأنه في الوقت الذي نضع فيه جريدتنا تحت الطبع تدور محادثات هامة بالسفارة العامة، وبدون شك بالقصر الملكي أيضا.
وإنه من الممكن أن يقع اتخاذ قرارات خطيرة جدا عندما يحين منتصف الليل.»
ودارت عجلة الحوادث بسرعة عجيبة، فانقطعت ليلة 25 مارس المخابرات الهاتفية بين تونس وباريس وبين العاصمة وبقية القطر، ولم يسمح حتى للصحافة بأن تتصل بمراسليها خارج تونس، وانتشرت القوات العسكرية انتشارا كبيرا في عدد هائل في القطر كله، واحتلت المراكز الاستراتيجية من الطرقات والأماكن العامة، وحاصرت مدينة تونس من جميع الجهات وقطعتها عن العالم، وتكاثرت الدبابات والمصفحات بأنواعها في الشوارع الرئيسية، وازدحمت الجنود في الميادين وحول الإدارات العامة والوزارات. وفي تلك الليلة نفسها في حدود الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، هاجمت القوات الفرنسية بيوت الوزراء التونسيين، فأخرجت دولة السيد محمد شنيق من فراشه، ودخلت إلى غرفة نومه، وأزعجت عائلته وابنه المريض، وفتشت منزله، ثم ألقت عليه القبض وحملته معها. وفي الوقت نفسه وقع اعتقال بقية الوزراء الموجودين بتونس السادة محمود الماطري وزير الدولة والدكتور محمد بن سالم وزير الصحة ومحمد الصالح مزالي وزير التجارة والصناعة، وأبعدوا جميعا إلى المنفى في جهة قبلي بأقصى الجنوب التونسي، ووضعت الأختام بالشمع الأحمر على جميع مكاتب أصحاب الدولة والمعالي الوزراء ومكاتب رؤساء ومديري دواوينهم بقصد تفتيشها.
أما معالي وزير الزراعة السيد محمد سعد الله، فكان ملازما للفراش، وقد اشتد به المرض حتى أصبحت كل نقلة تجعل حياته في خطر، فلما هاجمت القوات الفرنسية بيته اكتفت بإبلاغه قرار المقيم العام بأن يلازم بيته؛ لأنه معتقل فيه، وأن يكف عن كل نشاط سياسي أو إداري.
وفي اليوم نفسه (25 مارس) حملت السلطات الفرنسية رئيس الحزب الحر الدستوري الأستاذ الحبيب بورقيبة والزعيمين: المنجي سليم والهادي شاكر من منفاهم ببلدة طبرقة، ونقلتهم إلى رمادة في الصحراء بأقصى الجنوب، لتنكل بهم وتحط من معنوياتهم.
وألقى المقيم العام خطابا مسهبا في الإذاعة يعترف فيه بعدوانه على الوزارة التونسية الشرعية من غير حياء، ويتبجح باستخدام القوة الغاشمة ويهدد الشعب، قال:
ولكن يتعين ضروريا في سبيل تنفيذ تلك الإصلاحات تنفيذا مخلصا شاملا، أن يتبدد جو النوايا السيئة والتقاعس، الذي أبت الوزارة التونسية الحالية إلا أن تجعله مخيما باستمرار، ولذلك قررت أن أجعل من المستحيل على تلك الوزارة مواصلة نشاطها السياسي الوبيل؛ بأن أبعد مؤقتا من عاصمة تونس بعض أعضائها، والتمست من جلالة الملك المعظم أن يتفضل بتعيين وزير أكبر آخر يتمتع بثقته الكاملة، ويستطيع أن يعيد ربط علاقات التعاون المخلص مع السفارة العامة باعتبار تلك العلاقات ضرورية على السواء لإدارة البلاد إدارة سليمة، ولازدهار المؤسسات الجديدة التي قررت حكومة الجمهورية منحها للقطر التونسي.
ظن دي هوتكلوك لقصر نظره أنه تخلص من الوزارة التونسية، وأرسل تعليماته إلى باريس لإلقاء القبض على صاحبي المعالي: السيد صالح بن يوسف وزير العدل، والسيد محمد بدرة وزير الشئون الاجتماعية، اللذان رفعا قضية تونس إلى الأمم المتحدة. وقد كانت الحراسة شديدة عليها من طرف البوليس الفرنسي، فلا يخرجان إلا في صحبة بعض أعوان البوليس، ولكنهما توصلا في صباح 26 مارس إلى معرفة أخبار تونس رغم قطع جميع المخابرات التليفونية والبرقية بين تونس وباريس، وعلما بإلقاء القبض على زملائهم، فأعدا سفرهما خفية وغادرا فندق «الجران أوتيل» الذي يمتاز بموقعه في قلب العاصمة الفرنسية في الصباح حوالي الساعة الثامنة والربع، وأبقيا جميع حقائبهما وملابسهما في غرف الفندق، ولم يعلم بسفرهما أحد. ولما افتقدهما البوليس الفرنسي وتفطن إلى غيابهما، قامت قيامة الحكومة الفرنسية، وشددت الحراسة على جميع حدودها والرقابة على بعض السفارات، ظنا منها أن الوزيرين قد التجئا إلى سفارة إحدى الدول العربية أو الشرقية، وإذا بها تفاجأ بوصولهما إلى مدينة بروكسل عاصمة البلجيك قبل أن تنفذ أوامرها بساعات، وانتقلا منها إلى جنيف ثم إلى القاهرة، فأشعل نجاحهما في الخلاص من براثن الاستعمار حماس الشعب التونسي. واستأنفا نشاطهما المجدي لفائدة تونس في نطاق أوسع من ذي قبل بمرات، فكان خروجهما من أشد الضربات للاستعمار وأمر الخيبات لممثله بتونس الكونت دي هوتكلوك.