تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأسرعت السلطات الفرنسية إلى حبك مؤامرتها ضد حكومة تونس الشرعية، وتوالت اجتماعات المقيم مع عدد وافر من الموظفين العالين الفرنسيين، وأخيرا تلقى من حكومته التعليمات اللازمة يوم 22 مارس 1952، فأسرع إلى عقد اجتماع جديد شارك فيه الكاتب العام للحكومة التونسية، بونص، والجنرال جارباي.

ولما أتم المقيم إعداد الرواية، شرع في تمثيلها حالا فأضاف مأساة جديدة إلى المآسي التي تعددت منذ حل بالتراب التونسي، فافتضحت حقيقة ذلك الرجل وظهرت خلالها فظاعة السياسية الفرنسية، وجرائمها المدبرة. لقد قام بدوره أحسن قيام كأكبر الممثلين؛ إذ أبرز طبيعته الخفية، فاشمأز التونسيون مما شهدوا، وبقيت صورة دي هوتكلوك في أذهان التونسيين تمثل الاستعمار الفرنسي تمثيلا كاملا.

واستقبل المقيم العام يوم 24 مارس سمو الأمير الشاذلي باي نجل الملك الأكبر ورئيس ديوانه، وأعلمه برغبته في أن يستقبله جلالة الملك رأسا ومن غير حضور الوزراء التونسيين، وبعث في اليوم نفسه برسالة إلى دولة رئيس الحكومة السيد محمد شنيق الذي كان ابنه في حالة مرض شديد، يهدده فيها تهديدا صريحا، ويتوعده بأن ما سيلحقه من ضرر من جراء تصلبه في موقفه ربما يقضي على حياة ابنه المريض، فتجلت هكذا نفسية دي هوتكلوك الذي أصبح يتلاعب بأقدس العواطف البشرية وأشرفها وأعمقها، وهي عاطفة الأبوة بعد أن أزهق الأرواح ودمر وعذب. ولكن دولة محمد شنيق كان أصلب في الحق والواجب مما ظن دي هوتكلوك، فأجابه بالرفض وتمسك بالبقاء في الوزارة معتمدا على ثقة الملك وثقة الشعب، منكرا على فرنسا أن يكون لها الحق في تعيين الوزارة التونسية أو في إقالتها. فلم يستح المقيم من كتابة الكلمات الآتية في رسالته تلك: «ولا أخفي عنكم أنني أتأثر عميق التأثر عندما تسنح لي الفكرة بأنه لو لم تحل المشكلة الفرنسية التونسية في الأيام القريبة بالمراضاة، لثارت عاصفة شديدة من أجلك وحذوك وحولك، وربما تتعكر حالة ابنكم من جرائها.»

وأراد جلالة الملك أن يعرب للمقيم العام عن أن وزارته ما زالت تتمتع بثقته التامة، وعن تمسكه ببقائها في الحكم، فلم يجب طلبه في استقباله منفردا، بل أحضر وزارته حوله، فلما دخل عليه دي هوتكلوك يوم 24 مارس في الساعة الحادية عشرة والنصف وجده محفوفا بصاحب الدولة السيد محمد شنيق، وأصحاب المعالي السادة: محمود الماطري، ومحمد بن سالم، ومحمد سعد الله، ومحمد الصالح مزالي. فأعلم المقيم جلالة الملك بأنه اتصل من الحكومة الفرنسية ببرنامج إصلاحات، ولكنه لم يعد في الإمكان التفاوض بشأنه مع الوزارة الحالية؛ ولذا يطالب بإقالتها.

فأجاب الملك: بلغ باريس رغبتنا في عدم الاستجابة لذلك الطلب.

فتحدى إذ ذاك دي هوتكلوك الملك، وخاطبه بألفاظ بذيئة لا تليق بالمقام، ثم ختم كلامه بقوله: «إن الحكومة الفرنسية قد فوضت لي الأمر، وكلفتني بحل المشكلة بالطرق التي أراها صالحة. وإني أنتظر الجواب في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر. ثم غادر القصر الملكي بتهوره المعهود.»

ولم يقبل منه الملك ذلك الصلف، وأرسل حالا برقية إلى رئيس الجمهورية الفرنسية قال فيها: «إن لهجة التهديد التي استعملها السفير «م. دي هوتكلوك» أثناء استقبالي له اليوم تخالف تماما تقاليد فرنسا، ويجعلنا نشك في أن سلوكه هذا هو سلوك فرنسا نفسها.»

ثم أوعز المقيم للصحافة الاستعمارية بألا تكتفي بتهديد الوزارة التونسية، بل بأن تهدد الملك نفسه، فكتبت جريدة «لابريس» في يوم 25 مارس تعليقا على ذلك الحادث جاء فيه: «في وسعنا أن نخبر بأن المقيم سوف لا يترك هذا الجواب (أي جواب جلالة الملك) بدون رد فعل سريع؛ إذ تسمح الإرشادات التي استقيناها من مصدر وثيق بأن نجزم أن «م. دي هوتكلوك» قد أكد بدوره بأنه شاعر الشعور التام بمسئوليته.

تونس الثائرة · الصفحة ١٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٣٤