عن المعتقلين
محمد بالطيب مدير جريدة «لواء الحرية» (18) المحاكم العسكرية
اعتادت السلطات الاستعمارية على اتخاذ المحاكم الفرنسية أداة قمع وإرهاب وتسخير العدالة والقضاء لتعزيز استعمارها والفتك بالتونسيين، ولم تكف محكمة عسكرية واحدة، فأضيف لها محكمة عسكرية ثانية بتونس وأحدثت أخرى بصفاقس، وقد أصدرت المحاكم الفرنسية الزجرية أحكامها القاسية على أكثر من عشرة آلاف من التونسيين، وهي تجلس يوميا من غير انقطاع مدة عامين كاملين، ولنأت ببعض الأمثلة من قسوتها وجبروتها.
فقد أصدرت المحكمة العسكرية أحكامها على 14 تونسيا يوم 11 مارس.
1
وحكمت المحكمة الزجرية في نفس اليوم على السيد عبد الرزاق بن والي بتهمة مظاهرة بمدينة زغوان، والسيد المكني بتهمة تعطيل الترام.
وأصدرت المحكمة العسكرية يوم السبت 18 مارس أحكامها على 14 من التونسيين.
2
وفي صباح يوم الاثنين 10 مارس طوقت المحكمة الفرنسية في مدينة صفاقس بقوات الجيش والبوليس؛ خوفا من غضب الشعب، وأدخل البوليس تسعة من المعتقلين على بعضهم آثار الدماء وآخرون جروحهم بينة، كما أدخل النساء إحداهن حامل واثنتان تحملان أطفالهما.
ومن الشهود اثنان مدنيان فرنسيان ديسكويون ودوبير - الأستاذان بالمعهد الفني بصفاقس - اللذان دنسا مهنة التدريس بأن أصبحا مخبرين للبوليس، وكذلك فعل الأغلبية الساحقة من المدرسين والمعلمين الفرنسيين بالبلاد التونسية، وأصدرت المحكمة أحكامها القاسية بالسجن والخطايا على السيدات: مجيدة كريشان، حليمة الشعبوني، فاطمة نميلة، مبروكة شعور، نفيسة السراط، خديجة شعور، عائشة القفال، حميدة الميلادي، وسيلة الشعبوني.
وحكم بالسجن والخطايا أيضا على عدد من الشبان.
3
وعرضت أمام المحكمة العسكرية بتونس يوم 3 يوليو 1952 قضية تخريب جسر وادي منصور المتهم فيها عدد من التونسيين، وأصدرت ضدهم أحكامها.
4
وطوقت المحكمة الفرنسية بصفاقس صباح يوم 5 يوليو 1952 بقوة من أعوان الحرس المتجول والجندرمة والبوليس، وقد أصدرت أحكاما قاسية على عدد وافر من الشبان التونسيين.
5
وقد نظرت المحكمة العسكرية في قضية شبان قابس يوم 5 / 7 / 1952، المتهمين بعقد اجتماعات تذاكروا أثناءها في إعداد أعمال التخريب والاغتيال.
6
وحين استجوابهم أنكروا ما نسب إليهم، وصرحوا بأن اعترافاتهم لدى البوليس كانت تحت مفعول الضغط والإرهاب والتعذيب. وبعد الاستماع لمرافعة الادعاء العام ولسان الدفاع، حكم على اثنين منهم بخمس سنوات أشغالا شاقة وبالتغريب مدة عشر سنوات، وعلى اثنين آخرين بثلاث سنوات سجنا وعلى واحد بعامين، وحكم على ستة منهم بثلاث سنوات سجنا وعشر سنوات تغريبا، وحكم على اثنين بعشر سنوات سجنا مع الأشغال الشاقة والتغريب عشرين سنة. (19) حياة التونسيين في جو الإرهاب
أصبح كل تونسي غير آمن على حياته ولا على حريته ولا على رزقه، وهو يتوقع الاعتداء عليه في كل خطوة يخطوها في الشارع أو أن يهاجم في عقر بيته أو يؤخذ إلى السجن أو المعتقل في كل ساعة من النهار أو الليل، لا لذنب اقترفه ولكن لأنه تونسي، فتعود على جو الإرهاب وعدم الأمن والاستقرار، وأصبحت الجنازات نفسها لا تسلم من الاعتداء.
فقد احتفل بعد ظهر يوم الجمعة 21 مارس بتشييع جثمان الفتى الشهيد المرحوم عبد الرزاق الشرايبي الذي سقط يوم الخميس صريعا برصاصة من أحد أعوان البوليس اخترقت جبهته.
وقد خرج موكب الجنازة من نهج القنطرة حيث يقع بيت الفقيد، وشيعه عدد عظيم من الشعب نساء ورجالا وشبانا، واخترق الموكب حي الحلفاوين فحي باب سويقة، فحي باب سعدون في طريقهم إلى مقبرة الفدان، وكانت جميع الأنهج محاصرة بقوات الجندرمة والبوليس.
وعند وصول موكب الجنازة إلى المقبرة ودخول الناس وراء النعش لحضور مواراة الشهيد التراب، طوقت المقبرة من جميع أبوابها ومساربها بالقوات المسلحة، وشرع في تفتيش النسوة اللاتي صاحبن موكب الجنازة، وكان هذا التفتيش الذي لا مبرر له يجري بأسلوب ماس بالتقاليد الإسلامية؛ حيث كان الأعوان يخلعون عباءة النسوة المسلمات ويكشفونهن ويفتشونهن من قمة الرأس إلى أخمص القدم، ومن كانت ترتدي منهن الزي الإفرنجي خلعوا عنها معطفها وأجروا عليها نفس الأسلوب في التفتيش.