وبعد الانتهاء من تفتيش النسوة، انتقلوا لتفتيش الشبان؛ حيث أمروهم بالمرور صفا متتابعا في خندق قذر كان محفورا بالطريق مملوء بالعفونة، وهناك أخذوا يفتشونهم ويلحقون بهم الإهانات، وكثيرا ما ضربوهم بمؤخرات بنادقهم.
ولم تتمكن الجماهير المشيعة للجنازة من تقديم تعازيهم لعائلة الفقيد، بل بلغنا أن أخا الفقيد قد وقعت إهانته وضربه، فزادوه ألما على ألمه برزيته في شقيقه.
وكانت القوات تلتقط الناس وتزج بهم في عرباتها، وبلغ عدد الموقوفين رقما عظيما.
وقد وصف بعض التونسيين ما يعيشون فيه من قمع وترويع امتزج مع حياتهم اليومية، فقال أحد سكان بلدة رأس الجبل في جهة بنزرت في رسالة نشرتها جريدة «الصباح» التونسية بتاريخ 19 / 3 / 1952:
تعيش رأس الجبل في هذا الظرف الدقيق والساعة الرهيبة منذ أن جدت الحوادث وحلت النكبة بأمتنا الهادئة الوديعة، وشعبنا المسلم المسالم في جو من الترويع والتعذيب ومحيط من التشفي والانتقام لا يعلم مداهما إلا الله.
ولا تظن أن سبب هذا هو العثور على مستودع للذخيرة والبارود، وإنما لتصلب أبناء هذا البلد في وطنيتهم والتمسك بكامل عقيدتهم المتمثلة في التحرير النهائي من القيود العنصرية البغيضة، والفروق الاستبدادية الكريهة. هذا هو مجمل ما عندنا في البلاد، وقد أخذت جماعة من براذع الاستعمار وأذنابه في تزوير الحقائق وتبديل الأشياء حتى ادلهمت العاقبة واختلطت السبل ولم يعد هناك مجال لفهم أعمال المتنطعين، فقد أخذوا بالظنة وعاقبوا على الشبهة وروعوا النساء وهددوا العجائز المسنات، وقبضوا على عدد من المواطنين البرآء الذين لا هم لهم في الحياة إلا التحصيل على الرغيف لقوته وقوت عائلته، وهم كثرة لا يحصى لها عد. وهناك آخرون من المشبوه فيهم قد زجوا بهم في غياهب السجون (المعروف بكراكة غار الملح) وجردوا عليهم سوط العذاب.
وها إننا نرى في كل يوم ضابط الحرس المتجول والجندرمة يغدون ويروحون، وفي كل مرة يخرجون من جيوبهم قائمة فيها أسماء لبعض الأشخاص، وقد يكون من بين هؤلاء الأشخاص من هم خارج البلد يسعى للعمل، وفيهم من هو مريض في العاصمة بقصد التداوي، وفيهم من لا يعلم أحد مصيره إلى الآن، ولعله أودع السجن مع أن كل من لا يعثرون عليه دلهم خائن القرية (القواد حسب عبارة الضابط) على محله، وأخذ أمه أو أخته أو فردا من أفراد عائلته كرهينة من الرهائن إلى أن يسلم نفسه، وقد وقع أخذ الأم وابنها في ليلة من الليالي.
وها هي الأنباء تأتي أنهم نقلوا الأخ محمد الكداش رئيس الشعبة الدستورية من محل إبعاده والإتيان به إلى غار الملح لحشره مع بقية زملائه الذين هم الآن في حالة لا يقدر على خطها القلم، والأخطر من هذا هو معاملتهم معاملة مجرمين حقيقيين. (20) رد الفعل التونسي
هل استسلم شعب تونس لقوات الشر الفاتكة؟ وهل تنازل عن مبادئه تحت تأثير الضربات القاسية؟ وهل تراجع عن كفاحه لما لحقه من اضطهاد وتعذيب وتنكيل وقمع دام؟ وهل ركن إلى السكينة والهدوء وخاصة أنه ليس لتونس قوات مسلحة تقف أمام الحديد والنار وترد بها غائلة المعتدين؟
ولقد علم شعب تونس علم اليقين منذ آماد، أنه لا يتغلب بالقوة المادية الصرفة على الجيش الفرنسي في الحرب الحقيقية التي شنتها فرنسا عليه، وعلم أيضا أن طرق المقاومة متنوعة متعددة، فاختار منها أنجعها وأقربها من طبعه، فقرر سياسة عدم التعاون مع السلطات الاستعمارية، وأظهر إرادته القارة الراسخة على نبذ الحكم الأجنبي ومقاطعته وعدم الانصياع لأوامره والتمرد عليه في جميع الميادين. وكانت كلمة الشعب موحدة وصفوفه متراصة منظمة، فقال التونسيون جميعا للاستعمار البغيض: لا! لن نتقبله ولن نرضى به، ولن نخلد لحكمه ولن نعيش عيشة العبودية والرق، ولن نبقي أجانب في وطننا. وللتونسيين أرواح مؤمنة بالحق مؤمنة بحقهم وحق وطنهم، وليس لهم غير صدورهم يستقبلون بها رصاص الاستعمار الجائر، وليس لهم غير دمائهم، فقدموها هدية للحق، لعل العالم الذي يسمي نفسه حرا يعترف لهم بحقهم في الحرية.