ذلك أن الحقائق الشرعية لا ينبغي أن يقصد في تعريفها إلا ما هو الصحيح منها لأنه المقصود بالذات ومعرفته مستلزمة لمعرفة الفاسد أو أكثر الفاسد قوله ( التمييز ) هو أنه إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه وأحسن الجواب عنه قوله ( فلا ينعقد بيع غير المميز لصبا أو جنون ) أي أو إغماء منهما أو من أحدهما قوله ( وفي بيع السكران تردد ) أي طريقتان طريقة ابن رشد والباجي أن بيعه وشراءه لا ينعقد أصلا أي لا يصح اتفاقا وطريقة ابن شعبان أنه لا يصح على المشهور وهذا في السكران الذي ليس عنده تمييز أصلا وأما إذا كان عنده نوع من التمييز فلا خلاف في انعقاد بيعه وإنما اختلف في لزومه والمعتمد عدم اللزوم وإنما لم يصح بيع السكران أو لم يلزم كإقراره وسائر عقوده بخلاف جناياته وعتقه وطلاقه سدا للذريعة لأنا لو فتحنا هذا الباب مع شدة حرص الناس على أخذ ما بيده
وكثرة وقوع البيع منه لأدى إلى أنه لا يبقى له شيء بخلاف طلاقه وقتله وإتلافه وعتقه وما يتعلق به حق لغيره فيلزمه ذلك لأنا لو لم نلزمه ذلك لتساكر الناس ليتلفوا أموال غيرهم ويستبيحوا دماءهم والمراد السكر الحرام وإلا فكالمجنون قوله ( والتكليف ) أي الرشد والطوع فلا يلزم بيع الصبي ولا السفيه ولا المكره إكراها حراما وإن لزم من جهة المشتري حيث كان رشيدا فمن أجبر على البيع أو على سببه وهو طلب مال ظلما فباع شيئا لوفائه فلا يلزمه وإذا قدر في القسم الثاني على خلاص شيئه الذي باعه فإنه يأخذه ممن هو بيده بلا غرم ثمن ويرجع المشتري على الظالم أو وكيله هذا إذا علم أن الظالم أو وكيله قبضه من المظلوم أو من المشتري أو جهل هل دفع المشتري الثمن للظالم أو لوكيله أو لرب المتاع أو لم يعلم هل دفعه للظالم أو بقي عنده أو صرفه في مصالحه أم لا وكذا إن علم بقاؤه عنده أي المظلوم وتلف بغير سببه فيما يظهر فإن علم أنه صرفه في مصلحته أو لم يتلف أو أتلفه عمدا لرجع عليه به وسواء علم المشتري في ذلك كله بأن بائعه مكره أو لم يعلم هذا إذا كان شيء المكره وهو الذي باعه قائما عند المشتري وأما إن فات بيده أي المشتري فيرد عليه قيمته إن كان مقوما ومثله إن كان مثليا ولو أجبر على البيع دون المال فيرد إليه بالثمن إلا أن تقوم بينة بتلفه وهل يصدق إن ادعى التلف كالمودع أو لا خلاف على حد سواء واحترزنا بالإكراه الحرام من الجبر الشرعي كجبر القاضي المديان على البيع لوفاء الغرماء أو المنفق للنفقة والخراج الحق فليس من ذلك بل هو جائز لازم جائز شراؤه لكل أحد إلا أن يكون معسرا فيلجأ إلى بيع ما يترك للمفلس فكالإكراه الظلم
تنبيه لا فرق في بيع المظلوم متاعه بنفسه أو باعه قريبه أو غيره بإذنه أما لو باع قريبه أو زوجته مال أنفسهما ليخلصه ولو من العذاب فليس ببيع مضغوط إلا الوالدين إذا عذب ولدهما فباعا أو أحدهما شيئا من متاعهما فإنه إكراه قوله ( والإسلام وهو شرط في شراء المصحف الخ )