ج - العلاقة المحلية: وهي تسمية الشيء باسم محله كقوله تعالى: (فليدع ناديه) (العلق: 17) أي أهل ناديه، والنادي لا يُدعى وإنما هو مكان اجتماع الناس فعبّر بالمحل وأراد ما يَحلُّ فيه (2) والدرس الأسلوبي يتعامل مع المذكور ويعطيه قيمة تعبيرية بالتضمن فكأنه تعالى استهزاءً به أمرهُ أن يدعو كل من في ناديه بل ليدع ناديه نفسه وفي هذا عدول عن ألفاظ مثل (عشيرتك، أصحابك ... ) إلى هذا أو على نية حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامة غير أن هذا الحذف لابد من أن يكون لوجهٍ تأثيري ولغاية في التعبير، ذلك أن القوة كثيراً ما تُستمد من قرب الإنسان من محله ومنزله فلفظ ناديه المُعبّر به يحمل من المعاني الأشياء الكثيرة ففيه عصبة الرجل وأصحابه وفيه رمزٌ لقوته وبأسه واطمئنانه، ومع ذلك أمره وتحداه أن يدعوه ولعل فيه تهكماً بهؤلاء باستخدام لفظ (ناديه) لأنهم غالباً ما يكونون فيه مخمورين لاهين لا قوة أو إدراك لهم، وقد قرن الله تعالى المنكر بلفظ النادي في قوله تعالى: (وتأتون في ناديكم المنكر) (العنكبوت: 29)، وبهذا يصبح من الواضح (أن سخرية القرآن تحتوي على ألفاظ حين نتأملها ونحاول تذوقها نجد أنها توحي بمعانٍ ومشاعر وأجواء فوق دلالتها الأصلية وكثيراً ما تتركز سخرية المعنى كله في لفظ واحد) (3).
رابعاً: اختيار المفردة بناءً على موافقة السياق: فقد تختار المفردة القرآنية مع أنه يتصور قيام غيرها مقامها وعند التأمل نجد أن هذا الاختيار مشروط بموافقته لمعنى يفهم من السياق، فلو أقيمت أية مفردة غير هذه المفردة لما كان لقيامها محلها شيء من الفائدة التي حققها الاستخدام الأول كقوله تعالى: (وما هو بقول شاعرٍ قليلاً ما تؤمنون ولا بقولِ كاهنٍ قليلاً ما تذكرون) (الحاقة: 41، 42) فما الداعي إلى أن تكون الفاصلة في الآية الأولى (تؤمنون) وفي الثانية (تذكرون) وماذا لو لم يكونا كذلك؟ والجواب عن هذا أن مخالفة القرآن لنظم الشعر مخالفة ظاهرة وواضحة لا تخفى على أحدٍ فالقائلون بأنه شعر كان قولهم كفراً وعناداً محضاً، فناسب ختمه بقوله (قليلاً ما تؤمنون) أما مخالفته لنظم الكهان وألفاظ السجع فليست بمثل ذلك الوضوح فيحتاج فيها إلى تدبرٍ وتذكرٍ لأن كلاً منهما نثر فليست مخالفته لهما في وضوحها لكل أحدٍ كمخالفته للشعر .. فحُسن ختمة بقوله (قليلاً ما تذكرون) (4).
خامساً: اختيار المفردة لاعتماد الأسلوب القرآني الحسية في الوصف: عند التأمل في هذه السور يتبين للمتأمل أن الأسلوب القرآني فيها كان يعتمد إلى الوصف الحسي الذي تمرُّ عليه النفس دون أن تتنبه إلى أن هذا مستعار أو أنه عموماً أسلوب مجازي خرج عن المعنى المباشر إلى معنى ثانوي، بل أنّ المُلاحظ في الأسلوب القرآني ما يمكن أن يُسمى (التشريك في الوصف) ما بين المعنى الحسي والمعنوي الذي يصور به، إذ تتماهى اللفظة ما بين معناها المباشر والمعنى الذي تخرج إليه بدلالة السياق من غير أن يكون هناك ما يرجح أحد الاستعمالين على الآخر، فمثلاً قوله تعالى: (قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون) (القلم: 28) فلم أجد من فسره بغير أعدلهم وأفضلهم (1) فإذا كان الأمر هكذا فَلِمَ عُبِّرَ عن هذا المعنى بلفظ (أوسطهم) ولم يقل (أفضلهم) أو (أعدلهم) إنها الحسية في الوصف التي تلصق المعنى بذهن المتلقي مباشرة دون أن يحس بانتقالٍ على مستوى السرد هنا من المعاني المباشرة إلى المعاني الثانية في اللفظة لأنهما لا يتقاطعان في أي وجه داخل السياق القرآني، ومثل هذا قوله تعالى: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر) (القمر: 46) (2) فـ (المرارة لا يوصف بها إلا المذوقات والمطعومات ولكن الساعة لما كانت مكروهة عند مستحقي العقاب حَسنَ وصفها بما يوصف به الشيء المكروه المذاق…) (3) وكذلك قوله تعالى: (فَصبَّ عليهم ربُك سوط عذاب) (الفجر: 13) فالسوط ما يضرب به تشبيهاً بعذاب السوط، وقيل إشارة إلى معنى المخالطة الذي يخرج إليه الفعل (ساط) أي خلط أنواع العذاب (4) أو مخالطة الدماء واللحوم جراء العذاب (5).