فليس من السهولة تمييز المعنى المراد على وجه التحقيق والفصل بين ما توحي به اللفظة وتخرج إليه من دلالات وبين معناها المباشر، فلقد أصبح النص وكأنه قد استغل كل هذه المعاني في لفظةٍ بقيت بين الحقيقة والمجاز تُفهم الأمرين من غير التباس أو غموض وبهذا نُدرك استخدام الأسلوب القرآني (ألم تَرَ) في مخاطبة المتلقي وهي كما قال المفسرون بمعنى (ألم تعلم) (6) فلِمَ استخدم الفعل (ترى) دون (تعلم) مع أنه بمعناه ويبدو أن الزمخشري أوّل من تنبه لهذا فقال ( .... والمعنى: أنك رأيت آثار فعلِ الله بالحبشة وسمعت الأخبارية متواترة فقامت لك مقام المشاهدة) (1) غير أن الشيخ الشعراوي كان أدق من فصّل ذلك قائلاً (إن العلم قد تكون له وسيلة أخرى غير الرواية بأن يكون مخبراً به من أحد ... ولكن الخبر من الحق سبحانه وتعالى خبر وصل في مرتبة اليقين إلى مرتبة أنك ترى) (2) فهذا مما ينصب في حسية التعبير.
خامساً: اختيار المفردة ذات الدلالات المتعددة: فالتعبير القرآني كثيراً ما يختار مفردة معينة ولها أكثر من دلالة واحدة مما يعني أننا سنكون حيال مهمة تحديد القصدية في هذا؟ وهل قُصد إلى أحد هذه المعاني أم إن المعاني مرادةٌ على التوسع؟ فمن الناحية الأصولية ذهب أغلب الأصوليين إلى جواز إرادة أكثر من معنى واحد للفظة فقد (أجاز مالك والشافعي استعمال اللفظ الواحد في معنيين فأكثر في حالة واحدة ومنعه قوم) (3)، وقد ردّ الدكتور أحمد نصيف الجنابي القول بأن وجود المشترك اللفظي يولد الإبهام أو الغموض أو التعمية (4). وذهب إلى أن سبب هذا القول وغيره كان نتيجة عدم مراعاة السياق والمعنى الحضوري للتركيب اللغوي والتركيز الدلالي وهذا الذي يهمني هنا في هذه الدراسة أي (تكثيف أكثر من معنى في اللفظة الواحدة في جملة واحدة في سياق واحد لغاية وهدف مقصودين بحيث تكون كل تلك المعاني مطلوبة في التركيب اللغوي مقصودة من إيراده) (5)، وقد ابتعدت عن تسمية هذه الظاهرة الأسلوبية بالمشترك اللفظي لكونه لا يمثل إلا جانباً من جوانبها كلفظة (قسورة) التي فُسرت بأنها الرامي أو الأسد (6) أو جماعة الرماة أو ركز الناس وأصواتهم أو ظلمة الليل (7) وبهذا تتواشج هذه المعاني لترسم أبلغ صورة لهؤلاء الذين كانوا ينفرون من مجرد صوت القرآن كما تنفر الحمر من أي صوتٍ تسمعه أو أي شخصٍ تراه أو حيوان تشاهده خوفاً من أن يفترسها فـ (الصفة الجامعة بينهما أن كلاً منهما ضعيف منهار أمام جبّار قوي، مقدرٌ أنه واقعٌ لا محالة لأن الصائد مما لا تمكن مقاومته لأنه قسورة فالأسلم إذن الهزيمة والفرار) (8) فكيف إذا أضيف إلى كل هذا أنها تعني ظلمة الليل والركز والصوت المزعج حيث الخوف أكبر وأكبر وبهذا لا يزداد التصوير إلا تكثيفاً في الدلالة على مصدر الخوف.
ومن ذلك قوله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين) (الحاقة: 44 - 45) فـ (يجوز أن تكون اليمين ههنا راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون بمعنى لو فعل ذلك لسلبناه قدرته وانتزعنا منه قوّته) (1) بالإضافة إلى المعنى المتبادر إلى الذهن…
1) التفسير البياني، 1/ 206.
2) الإعجاز البياني في كتاب العربية الأكبر، 214.
3) تلخيص البيان، 240.
4) تاريخ آداب العرب، 2/ 261.
5) البديع في ضوء أساليب القرآن، 145.
6) الإعجاز البياني ومسائل ابن الأزرق، 461.
7) الكشاف، 4/ 18، وينظر: معنى (راغ) في معجم ألفاظ القرآن، 1/ 527، والإنتصاف، 4/ 18
8) بديع القرآن، 21.
9) المفردات، 6.
01) ينظر: الكشاف، 4/ 220، وشرح شواهد الكشاف، 4/ 455.
11) المحتسب، 2/ 300.
21) معجم ألفاظ القرآن، 1/ 283.
31) الكشاف، 4/ 40.
41) ينظر: المفردات، 799 – 800.
51) (1) الكشاف 4/ 362.