تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ب – تسميته باعتباره وصفاً لنفسه: يكثر في الاختيار القرآني مثل هذا حيث يتم العدول عن التسمية الأساسية إلى تسميةٍ تتعلق بفعلٍ خاصٍ يكون هو المقصد الدلالي الذي يحتاجه السياق كقوله تعالى: (كلا لينبذن في الحُطمة) (الهمزة: 4) والحطمة (الكثير التحطيم وأطلقت على جهنم لتحطيمها المكذبين بها) (3) ولأن من (شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة) (4) كما أن (بناء فُعَلة يدلّ على أن ذلك عادة) (5) وإنما اختيرت على هذا الوصف (صيغة المبالغة) لتكون على وزن الصيغة التي ضمنها الذنب (هُمزة و لُمَزة) حتى يحصل التعادل بين الذنب والجزاء فالمذنب الذي ضرّى بالذنب جزاؤه هذه الحطمة التي هي ضاربة بحطم كل ما يُلقى

إليها (6) ومن هذا قوله تعالى: (وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً) (النبأ: 14) أي (السحائب التي تعتصر بالمطر أي تصب وقيل التي تأتي بالإعصار) (7) وفسرها ابن عباس بـ (السحاب يعصُرُ بعضه بعضاً فيخرج الماء من بين السحابتين .. ) (8) واعتبرت بنت الشاطئ هذا من قبيل الشرح فهي لا ترى ضرورةً في تقييده بسحابتين، وقالت بأن العصر في كل صيغة واستعماله يرجع إلى أصل دلالته على الضغط لاستخلاص العصارة (1) والغيوم إذا أعصرت – كما يقول محمد عبده – جاء وقت أن تعصر الماء فيسقط منها المطر (2).

ج – تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه: وهو من أساليب الإيجاز كما في قوله تعالى: (وقال نوحٌ ربِ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً إنكَ إن تذرهم يضلوا عبادكَ ولا يلدوا إلا فاجراً كفّاراً) (نوح: 26 – 27) فَسُمِّيَ الأنباء بما سيكون عليه من فجورٍ وكفرٍ وبذلك أصبح هذا الأخبار عِلةً للإهلاك على أن هذا الأخبار لم يكن بمعناه المجازي لعلاقة الاستقبال لأنه إخبار عن وحي يصل إلى الأمر الحقيقي قال تعالى: (وأوحي إلى نوحٍ أنه لن يؤمنَ من قومِكَ إلا من قد آمن) (هود: 36) فكانت تسميتهم بما سيكونون عليه عِلةً لإنزال العقاب عليهم فناسب السياق تسميتهم بهذا فكانت التسمية هنا لحاجة السياق كما هي في قوله تعالى: (بل عجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيب) (ق: 2 – 3) فقد كان القياس أن يقال (فقالوا) بالضمير مثل (عجبوا، وجاءهم، ومنهم) لأن المُخبَر عنهم واحدٌ في كل هذه الألفاظ لكنه تعالى قال (فقال الكافرون) وإنما سمّاهم بالكفر هنا (للشهادة على أنهم في قولهم هذا مُقدِمونَ على الكفر العظيم) (3).

ثالثاً: للتعبير عن الشيء بما هو معه في علاقة خاصة: فقد يعدل التعبير القرآني عن لفظٍ ما إلى لفظٍ آخر كونه يشترك مع مدلوله في علاقةٍ تتحقق بالإخبار بها فائدة دلالية وهذه سمة أسلوبية كثيراً ما تستخدم في القرآن لأنها تعبر عن هذه العلاقة بأوجز تعبير من غير إطنابٍ وتفصيلٍ يضيع معه الترابط كـ:

أ – العلاقة السببية: وهي (أن يكون اللفظ المذكور مسبباً عن المعنى المقصود…نحو قوله تعالى: (والرجز فاهجر) (المدثر: 5) فالمعنى الحقيقي للرجز العذاب الشديد لأنه مسبب عن عبادة الأصنام) (4) فقد سمي كيد الشيطان رجزاً وذلك لأنه سبب للعذاب وقد سميت الأصنام رجزاً لهذا المعنى أيضاً (1) وهذا أبلغ لأنه أشد في صرفهم عن عبادة الأصنام لما ترتب من التذكير بالعاقبة من هذه العبادة.

ب - العلاقة الجزئية: وهي أن يكون المذكور جزءاً من المعنى المقصود، ومثاله التعبير عن الصلاة بالقيام في قوله تعالى: (يا آيها المزمل قُمْ الليل إلا قليلاً) (المزمل: 2) والقيام إنما هو جزء من الصلاة فعبّر بالجزء وهو القيام وأراد الكل (2) وإنما عُبّر عن الصلاة هنا لأن المشقة في صلاة الليل ترجع إلى القيام فقد قاموا (حتى ورمت أقدامهم وسوقهم) (3)، ومنه قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم) (القلم: 16) أي سنجعل له علامة على أنفه الذي هو الأظهر في الوجه وفي ذلك كناية عن عارٍ يلزمُهُ (4) لأن الوجه أكرم موضع في الجسد والأنف أكرم موضع منه لتقدمه، لذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأَنَفَة فعبّر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة لأن السمة على الوجه شينٌ فكيف بها على أكرم موضعٍ منه (5)، والتسمية بالعلاقة الخاصة واحد من أبرز الأساليب التي يظهر فيها توافق المفردة والسياق ومجيئها له دون غيره وبما يحقق للبنية وحدتها الموضوعية قال تعالى: (كلا إنها لظى نزاعةً للشوى) (المعارج: 16) والشوى (الأطراف أو جمع شواة وهي جلدة الرأس تنتزعها نزعاً فتبتكها ثم تعاد) (6) فأي أجزاء الجسم أشد إيلاماً من هذه مما ناسب تخصيصها دون سواها بالعذاب، في حين اختار من الأشجار أفنانها لما كان الحديث ضمن سياق النعم قال تعالى: (ذواتا أفنان) (الرحمن: 48) فقد اختار هذا الجزء دون غيره لما ناسب من ملائمته للسياق الذي يتحدث عن دقائق النعم فقد (خصّ الأفنان بالذكر وهي الغضة التي تتشعب من فروع الشجرة لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال ومنها تجتنى الثمرات) (7) وقد يعبر عن الشيء ببعضه لما يحققه هذا الأسلوب من تكثيفٍ في المعاني بأوجز الألفاظ وأبسطها كما في قوله تعالى: (أخرجَ منها ماءها ومرعاها) (النازعات: 31) فقد أغنت هاتان اللفظتان عن ذكر أي لفظة أخرى إذ (دلّ بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام من العشب والشجر والحب…والنار والملح لأن النار من العيدان والملح من الماء) (1).

_الدلالية_لاختيار_المفردة_القرآنية · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_الدلالية_لاختيار_المفردة_القرآنيةص ٣