تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جعل في الطبائع أن لا شيء أحسن من الملَك ، كما جعل في الطبائع أن لا شيء أقبح من الشياطين ، قال تعالى :

?إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ? (1) فقد شبه الله تعالى طلعها برؤوس الشياطين ؛ تبشيعاً لها وتكريهاً لذكرها، وإنما شبهها برؤوس الشياطين ـ وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين ـ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر (2) ، أما من حيث الحسن فقد تقرر أن لا شيء أحسن من الملَكِ ؛ فلما أرادت النسوة وصف يوسف بالحسن شبهنه بالملَكِ ، غير أن الأسلوب القرآني شاء أن يتجاوز المألوف من تشبيهات العرب لكل ما راعهم حسنه من البشر بالجن، قال أبو العلاء المعري : وقد كانَ أربابُ الفَصاحَةِ كُلّما رأوا حَسَناً عَدّوهُ من صَنعةِ الجنِّ ، وقال العباس بن الأحنف :

شَمسٌ مُمَثَّلَةٌ في خَلقِ جارِيَةٍ

كَأَنَّما كَشحُها طَيُّ الطَواميرِ

لَيسَت مِنَ الإِنسِ إِلّا في مُناسَبَةٍ

………وَلا مِنَ الجِنِّ إِلا في التَصاويرِ

فالجِسمُ مِن لُؤلُؤٍ وَالشَعرُ مِن ظُلَمٍ

وَالنَشرُ مِن مِسكَةٍ وَالوَجهُ مِن نورِ

كَأَنَّها حينَ تَمشي في وَصائِفِها

تَخطو عَلى البَيضِ أَو خُضرِ القَواريرِ

1- الصافات 64-65

2- تفسير ابن كثير : اسماعيل بن عمر بن كثير . بيروت . دار الفكر ، 4/11

وقد أدخل القرآن فناً آخر لا يبدو للناظر للوهلة الأولى ، وهو فن عرفوه بأنه سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة منه تجاهلاً منه ، وقد يقصد به الذم أو التعجب أو التوبيخ أو التقرير ويسمى هذا الفن " تجاهل العارف " وسماه السكاكي: " سوق المعلوم مساق غيره لنكتة كالتوبيخ أو المبالغة في المدح أو الذم ".

_البلاغي_في_قصة_يوسف_عليه_السلام · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_البلاغي_في_قصة_يوسف_عليه_السلامص ٧٥