اختلفت وجهات نظر العلماء الأفغان في حكم أفغانستان الآن أهي دار حرب أم دار اسلام ؟ وأشهر الأقوال رأيان :
1-الرأي الأول : وهو رأي أغلبية علماء أفغانستان : أن كابل لم تتحول من دار اسلام الى دار حرب ، أخذا برأي أبي حنيفة السابق، الذي يشترط شروطا ثلاثة لتحول الدار (تغيرالقانون ، متاخمة ديار الكفر ، عدم أمن المسلمين والذميين على دينهم واموالهم وأعراضهم (2)[قال الكاساني في البدائع 7/131 (قول أبي حنيفة أن المقصود من اضافة الدار الى الإسلام أو الكفر ليس هو عين الاسلام والكفر وإنما المقصود هو الأمن والخوف ومعناه: ان الأمان إن كان للمسلمين على الاطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار اسلام وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر)].
فهم يرون أن الشرط الثالث لم يتحقق ولذا لم تصبح كابل دار حرب ، وهذا رأي جمهور علماء شمال أفغانستان .
2- الرأي الثاني : رأي بعض علماء جنوب أفغانستان : أن أفغانستان دار حرب ولذا أفتوا بتعطيل صلاة الجمعة في المساجد ، ويبدو أنهم اخذوا برأي الصاحبين ( أي أبي يوسف ومحمد بن الحسن) .
ونحن نرى ان أفغانستان دار ثالثة : مثل (ماردين) فلا هي دار اسلام، ولا هي دار كفر ( دار حرب) إذ يطبق عليها بعض احكام دار الاسلام وبعض أحكام دار الحرب .
الأحكام التي تختلف باختلاف الدار :ـ
1-اقامة الحدود : يرى الحنفية أن الحدود لا تقام في دار الحرب . ولو اقترف المسلم في دار الحرب ذنبا قد حدد له الشارع حدا ، فإن الذنب او الجريمة تقع ولا مقتضى أو موجب لحد ها . وذلك لأن اقامة الحدود تعتمد على الولاية ، ولا ولاية لقائد المعركة في دار الحرب . وكذلك لو قتل مسلم آخر فإنه لا يقتص من القاتل اذا خرج الى دار الاسلام . فلو سرق المسلم ، أو زنى ، أو شرب خمرا ، أوقذف مسلما في دار الحرب فإنه لا يقام عليه الحد لا في دار الحرب ، ولا في دار الاسلام، بعد أن يعود ، لان الفاحشة لم تقع موجبة للحد أصلا .
ويستثني الحنفية من هذا كله حالة واحدة وهي : إذا كان قائد الجيش هو الخليفة نفسه أو أمير القطر بكامله ، كامير خراسان ، أو المشرق ، أو الشام ، فإنه ينفذ الحدود لاجتماع الشوكة والقوة باجتماع الجيوش وانقيادها له ، فتتوفر في يده المنعة والولاية والقوة التي تمكنه من اقامة الحدود كلها (1) [بدائع الصنائع 7/131ـ133].
ويستدل للحنفية لهذه الحالة ما رواه الزهري ... ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد وأتي بسكران فأمر من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم من التراب )[ أنظرسنن البيهقي مع الجوهر النقي 9/103].
وهنالك حديثان ضعيفان تستدل بهما الحنفية وهما : ( لا تقام الحدود في دار الحرب ) ( لا تقطع الأيدي في السفر ) .
أما الجمهور فإنهم يرون ان الكبائر اذا ارتكبت في دار الحرب فإنه يجب فيها الحد ، ولكنهم اختلفوا في مكان اقامة الحد :ـ
فيرى الحنبلية :أن الحدود لا تنفذ الا في دار الاسلام ، أما بقية الجمهور : فيرون أن الحدود تنفذ مباشرة في دار الحرب الا اذا خيف على المحدود أن يهرب الى العدو الكافر ، أو كان للمسلمين بمرتكب الكبيرة حاجة أو منعة أو قوة فإنه يؤخر حده ،
ومما استدل به الحنفية على رأيهم :
1-حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه كتب الى عماله ( أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية أحدا حتى يخرج الى الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلتحق بالكفار )
2- وكان أبو الدرداء رضي الله عنه ينهى أن تقام الحدود على المسلمين في أرض العدو ، مخافة أن تلحقهم الحمية فيلحقوا بالكفار ، فإن تابوا تاب الله عليهم والا كان الله تعالى من ورائهم ) (1)[شرح السير الكبير 4/108].
3- وروي عن علقمة قال : غزونا ارض الروم ومعنا حذيفة وعلينا رجل من قريش فشرب الخمر فأردنا أن نحده فقال حذيفة : تحدون اميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم(2)؟[المصدر السابق].
4 - وقد كان سعد قد قيد أبا محجن في القادسية عندما شرب الخمر ، وأراد جلده ، فأطلقته سلمى زوج سعد ، وقاتل قتالا شديدا فعفا عنه سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه وقال : لا والله لا اضرب اليوم رجلا أبلى الله المسلمين ما أبلاهم وخلى سبيله ، فقال أبو محجن : (كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها ، فأما إذ بهرجتني (أهدرت الحد ) فو الله لا أشربها أبدا) (2) [الخراج 31 وآثار الحرب ص190].
ولكننا نرى أن مذهب الجمهور أرجح والله أعلم ، لأن موجب الجرائم لا يختلف بين أرض وأرض ، ولكن قد يؤخر التنفيذ الى دار الإسلام كما يؤخر تنفيذ الحد بسبب المرض ، كما أخ ر عمر تنفيذ حد الشرب في قدامة ؛ بن مظعون بسبب مرضه ، وكما أخ ر النبي صلى الله عليه وسلم عن الغامدية إقامة حد الرجم بسبب أنها حبلى من الزنا حتى تضع وتفطم الوليد .
2-الحربي إذا أسلم في دار الحرب ، ولم يعرف أن عليه صلاة ولا صياما ، ثم خرج الى دار الاسلام ، وعلم .
فقال الحنفية : لا قضاء عليه عند أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف : أستحسن أنه يجب عليه القضاء و قد استدل الحنفية على رأيهم : بأن دار الحرب : دار جهل بالشرائع ، وامكانية الوصول الى العلم صعبة بخلاف دار الاسلام فإمكانية العلم ممكنة كمن لم يعلم في دار الاسلام ؛ فلا عذر له .
فالذمي إذا أسلم في دار الاسلام ولا يعلم أن عليه صلاة ولاصياما فيجب عليه القضاء لأنه قصر في السؤال مع إمكانية العلم (3)[بدائع الصنائع 7/132].
(3) جواز العقود الفاسدة عند أبي حنيفة ومحمد بخلاف أبي يوسف فرأيه كرأي الجمهور بأن الحرام حرام في دار الحرب ودار الاسلام ، والحرام لا يصبح حلالا باختلاف الدار .
فمثلا عقد الربا : عقد فاسد (1)[العقود ثلاثة عند الحنفية:
(أ) العقد الصحيح: كامل الشروط والأركان والأوصاف.
(ب) العقد الباطل: الخلل في أركانه وهذا لا يلحقه تصحيح ولا اجازة: مثل الزواج من وثنية.
(جـ) العقد الفاسد: الخلل في وصفه لا في ركنه: مثل عقد الربا وهذا يلحقه التصحيح بأن يلغي شرط الربا].
( فهذا العقد عند الحنفية فاسد وحرام عند الحنفية في دار الاسلام لان شرط الربا خلل ، ولكن يمكن أن يصحح العقد بازالة شرط الربا منه ) .
ولكن هذا العقد جائز في دار الحرب عند ابي حنيفة ومحمد ولا إثم فيه ، ووجهة نظر أبي حنيفة : أن مال الحربي مباح فيجوز إتلافه وأخذه بأية طريقة بشرط التراضي مع المسلم وعلى أي وجه ليس فيه غدر ولا خيانة . وعقد الربا عقد تراضي ، وقد أخذ الربا من الكافر برضاه فلا بأس .