تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اذا واجه الجيش الاسلامي بلدة كافرة لم يسبق لها تعامل مع المسلمين ، أو أراد الإمام غزو بلدة كافرة ليس بينها وبين المسلمين عهد ، فهل له أن يغزو ها دون إعلامها ويأخذها مباغتة على حين غرة (غفلة) فهنا اختلف الفقهاء في المسألة :

فالرأي الراجح الذي نذهب اليه هو رأي الجمهور القائل :

يجب على الامام اعلامهم (انذارهم باحدى الخصال الثلاث : الاسلام أو القتال او الجزية اذا لم يسبق للبلدة معرفة الاسلام ، اما اذا كانت البلدة قدوصلها الاسلام ولم تعتنقه ؛ فإنه يستحب للامام اعلامهم ، ولقد تشدد الشافعية في قتال القوم الذين لم تبلغهم الدعوة حتى افتوا بوجوب الدية للقتلى وتدفعها عاقلة (عصبات) القاتلين ، اما الحنفية فقالوا : لادية ولا ضمان .

(2) اما الإمام مالك : فقال بوجوب الاعلام قبل القتال في كل الحالات .

(3) وهنالك رأي ثالث يقول بجواز القتال دون اعلام في كل الحالات .

وسبب اختلافهم في الرأي ورود احاديث متعارضة - ظاهرا- في الموضوع، لانه لا يوجد تعارض حقيقي ابدا بين اي حديثين او نصين في هذا الدين : ( افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) . وقد أورد ابن القيم في كتابه (اعلام الموقعين ) حوالى تسعين حديثا مما يرى فيها تعارض مع احاديث اخرى او آيات قرآنية ثم أزال الإشكال في التعارض .

وقد كتب ابن قتيبة كتابا في (مشكل الحديث) ، وكذلك الطحاوي الحنفي كتب ( مشكل الآيات) .

والأحاديث الواردة في موضوع إنذار العدو هي :

1- الحديث الأول :

عن ابن عوف (ان الرسول صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون (غافلون) وأنعامهم تسقي على الماء ، فقتل مقاتلهم ، وسبى سبيهم) .

2- حديث اسامة بن زيد :

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد اليه فقال : (أغر على أبنى صباحا وحرق)

وأبنى : على وزن حبلى : فعلى :قرية بين الرملة وعسقلان من فلسطين ومعنى حرق : أي الزرع وغيره كالشجر .

3- حديث ابن عباس رضي الله عنهما

(ما قاتل رسول الله صلي الله عليه وسلم قوما الا دعاهم ) .

4- حديث سليمان بن بريدة عن ابنه قال :

(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أم ر أميرا على جيش او سرية اوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا .... واذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى ثلاث خصال او خلال فاي تهن ما أجابوك ؛ فاقبل منهم وكف عنهم : ادعهم الى الاسلام ؛ فان أجابوك فاقبل منهم ؛ وكف عنهم ؛ فان هم ابوا فسلهم الجزية فان اجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ؛ فان ابوا فاستعن بالله وقاتلهم) .

اما الامام مالك (القائل بوجوب تقديم الدعوة للكفار قبل القتال على اي حال) فقد اخذ بحديث ابن عباس رضي الله عنهما الثالث وحديث بريدة الرابع . اعتبرها مقدمة على حديث بني المصطلق باعتبار ان حديث بني المصطلق فصل والحديثين الثالث والرابع من الاقوال والقول مقدم على الفعل .

أما اصحاب الرأي الثالث القائلين (بعدم وجوب تقديم الدعوة قبل القتال على اي حال ) فاعتبروا حديث اسامة ناسخا لكل الاحاديث الاخرى : باعتبار ان حديث اسامة كانت سرية في اواخر ايام النبي صلى الله عليه وسلم

اما الجمهور، فقاموا بالجمع بين الاحاديث ، والجمع مقدم على النسخ في اصول الجمهور ، اذ ان ازالة التعارض عند الجمهور يكون حسب الخطوات التالية :

1ـالجمع - إن أمكن - ثم 2- النسخ - ان عرف التاريخ -ثم 3 - الترجيح ثم 4 - التوقف والانتقال من الأعلى الى الأدنى ؛ فاذا كان التعارض بين آيتين ولم نستطع الجمع ولاالنسخ ولا الترجيح ننتقل الى العمل بالحديث ، فاذا تعارض الحديثان ولم نستطع الجمع ولا النسخ ولا الترجيح ؛ توقفنا وانتقلنا الى عمل الصحابة؛ فان لم نستطع نتوقف .

فقد اعتبروا أن حديث ابن عباس وبريدة فيمن لم تبلغه الدعوة واعتبروا حديث اسامة وبني المصطلق : بسبب وصولهم الدعوة من قبل

مدة الانذار :

يرى الحنفية والمالكية أنه لابد من إعطاء الكفار فرصة ثلاثة أيام بعد الانذار تكرر فيها دعوة الكفار ثلاثا الى الاسلام .

وقد اعتمدوا على كتاب عمر الى سعد بن ابي وقاص فيما رواه أبو عبيدة (اني قد كنت كتبت اليك ان تدعو الناس الى الاسلام ثلاثة أيام ، من استجاب لك قبل القتال فهو رجل من المسلمين له ما للمسلمين ولهم سهم في الاسلام (1) [أنظر آثار الحرب 158 نقلا عن كنز العمال من مسند أحمد 2/319 الخراج لابن آدم ص 48].

وقد دعا سلمان اهل فارس الى الاسلام أو الجزية أو القتال فقالوا: اما الاسلام فلا نسلم ، وأما الجزية فلا نعطيها ، واما القتال فإنا نقاتلكم ،فدعاهم كذلك ثلاثا فأبوا عليه ، فقال للناس : (انهدوا إليهم ) (2)[آثار الحرب 158 نقلا عن الخراج 191]. اي انهضوا - وزنا ومعنى - .

الأحكام المترتبة على الجهاد :

ان الاسلام دين الهي نظم الحياة بكاملها ابتداء من الامور الخاصة جدا حتى الامور الكبرى المتصلة بالدولة الاسلامية وعلاقاتها الدولية .

والأحكام التي تختص بالجهاد -كعبادة جماعية - يقوم عليها كيان هذا الدين وبها يقر، ويمثل الجهاد السور الحصين لكل تعاليم الاسلام ولذا فقد اعتنى به القرآن ، واعتنت به السنة المشرفة بالتفصيل والتقعيد والأحكام التي خصها الاسلام بالجهاد هي :

1ـاحكام تسبق البدء بالجهاد منها : اعلام العدو ببدء القتال ، و منها الاعداد ويعتبر فرضا من حيث اللياقة البدنية ، وتعلم السلاح ، واتقان ادوات القتال ، وخططه ، والتكتيك ، والهجوم ...الخ

2ـأحكام تواكب عملية القتال : مثل عدم قتل غير المقاتلة : كالنهي عن قتل الصبيان ، والشيوخ ، والرهبان ، والنساء ، واالعجزة الذين ليس بهم فائدة للجهاد سواء بالرأي او بالفعل الا للضرورة الماسة ؛ كأن يتترس (يخبيء) العدو بهم ، وكذلك عدم تشويه الجثث (المثلة) ، وعدم قتل الحيوانات التي يمتلكها العدو الا للضرورة القصوى ، وكذلك عدم قطع الشجر المثمر الا لضرورة الحرب كأن يختفي العدو بها ، أو لضرب العدو اقتصاديا .

وعدم أخذ المصحف الى أرض الاعداء إن خشينا من أن تدور الدائرة علينا فيعبث العدو بقداسة الكتاب الكريم .

وقد تحدثنا في كتاب (في الجهاد آداب واحكام) عن قسم من هذه الاحكام . وسنفرد إن شاء الله بابا للآداب التي لم نتعرض لها :

اعلان الجهاد · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

اعلان الجهادص ٤