2- الرأي الثاني : وهو رأي الحنفية : وهو مبدأ المعاملة بالمثل . أي : نأخذ منهم بقدر ما يأخذون منا فإن لم يأخذوا منا لا نأخذ منهم .
أدلة الجمهور القائلين بأخذ العشر :
1- روى عمر أنه بعث أنس بن مالك رضي الله عنه مصدقا في العشور فقال أنس : يا أمير المؤمنين تقلدني في المكس في عملك ؟ فقال له عمر رضي الله عنه : قد قلدتك ما قلدني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلدني أمور العشور ، وأمرني ان آخذ من المسلم ربع العشر ، ومن الذمي نصف العشر ، ومن الحربي العشر كله (1) [انظر المغني 8 ص 518].
قال الشعبي فيما روى البيهقي :(1) اول من وضع العشر في الاسلام عمر [منتخب كنز العمال من مسند احمد : ص 3012 ، الاموال ص 534].
2- وعن زياد بن حدير قال : استعملني عمر على العشر ؛ فأمرني ان آخذ من تجار اهل الحرب العشر ، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر ومن تجار المسلمين ربع العشر (1) [آثار الحرب نقلا عن الأموال لأبي عبيد ص533 ونيل الأوطار 8/63]. قال ابن قدامة (2) [المغني لابن قدامة 8/63]. فأخذ عمر من تجار الحربيين ، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة وعمل به الخلفاء الراشدون بعده في كل عصر من غير نكير ، فاي إجماع اقوى من هذه ؟ ولم ينقل انه شرط ذلك عليهم عند دخولهم ولا يثبت ذلك بالتخمين من غيرنقل ، ولأن مطلق الامر يحمل على المعهود في الشرع ، وقد استمر اخذ العشر منهم في زمن الخلفاء الراشدين فيجب أخذه .
أدلة الحنفية :
وأما الحنفية فقد استدلوابما يلي :
1-كتب أبو موسى الاشعري الى عمر بن الخطاب : أن تجارا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب فيأخذون منهم العشر قال : فكتب اليه عمر ، خذ منهم كما يأخذون من تجار المسلمين (3)[شرح السير الكبير 4/284].
2-عن أبي مجلز قال : قالوا لعمر كيف نأخذ من أهل الحرب اذا قدموا علينا ؟ قال كيف يأخذون منكم اذا دخلتم اليهم ؟ قالوا العشر .قال فكذلك خذوا منهم . فهذا هو ضابط المعاملة بالمثل (4) [أثار الحرب 529 نقلا عن أحكام أهل الذمة لابن القيم ص169].
الرأي الراجح عندنا :
نحن نرى أن هذا الامر من السياسة الشرعية التي يرجع تقريرها الى اولي الامر - أمير المؤمنين ، وهو يقدر المصلحة الراجحة ، ويعمل بها فيما يعود بالنفع للاسلام والمسلمين . ولذا فإننا نرى أن مذهب الحنفية يعطي للأمر مرونة ويجعل ولي الأمر في سعة أن يتخذ القرار المناسب للمسلمين . ولا يجعله مقيدا بالعشر فا لبلاد قد تحتاج الى المواد الغدائية أو المعادن أو المصنوعات ، فيكون لولي الأمر الحرية في إعفاء تجارة الحربيين من الضرائب والعشور. وهذا الرأي كذلك ذهب اليه الحنبلية والمالكية الذين يرون بوجوب أخذ العشر ، فقد اضطروا أحيانا أن يفتوا بمخالفة أخذ العشربالنقصان أو الزيادة أو الإعفاء كليا إذا كانت بلاد المسلمين بحاجة الى التجارة .
فقد روى ابن عمر قال (كان عمر يأخذ من النبط من الزيت والحنطة نصف العشر لكي يكثر الحمل الى المدينة ويأخذ من القطنية العشر ) (1) [آثار الحرب 533 نقلا عن نيل الأوطار 8/63 الأموال 533 والنبط: النصارى، والقطنية: الحبوب والثياب].
قال بن قدامة في المغني 8/225(وهذا الأثر يدل على أنه يخفف عنه اذا رأى المصلحة فيه وله الترك أيضا إذا رأى المصلحة ) .
وقال العدوي من المالكية( لا يؤخذ على حمل الطعام الى الحرمين وماوالاهما اكثر من نصف العشر وذلك للإغراء بتكثير حمله الى هذه البقاع مع شدة حاجة أهلها) (2)[انظر المغني لابن قدامة 8/522].
وقال الماوردي من الشافعية (3) [الشرح الصغير 1/417]. (إذا رأى الإمام أن يسقط عن أهل الحرب تعشير أموالهم بحادث اقتضاه نظرا لجدب أوقحط أو لخوف من قوة تجددت لهم جاز إسقاطه عنهم) .
نصاب التجارة التي يؤخذ منها العشور :
اختلف الفقهاء في المقدار الذي يؤخذ عليه العشور ( الضرائب) أله نصاب لا يؤخذ من المقدار الذي يقل عنه - كالزكاة- أم يؤخذ من قليلها وكثيرها ؟
1-مذهب الشافعية والمالكية الى انه : لا نصاب للتجارة التي يؤخذ عليها العشور .
2- ومذهب الحنفية والحنبلية : الى انه لها نصاب .
فقال الحنفية : نصابها نصاب الزكاة (20 دينارا ذهبا أو مائتا درهم من الفضة) .
وقال الحنبلية :نصابها نصف نصاب الزكاة .
وأرجح الأقوال قول الحنابلة ، لأنهم اعتمدوا على نص منقول عن عمر ، فقد استدل الحنابلة في تحديد النصاب بمائة درهم بما فسر به عمر بن عبد العزيز قول عمر بن الخطاب في كتابه الى زريق بن حيان : ( من مر بك من أهل الذمة فخذ مما يديرون في التجارات من كل عشرين دينارا دينارا ، فما نقص فحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير ، فإن نقصت ثلث دينار فلا تأخذ منه شيئا ) .
قال أبو عبيد في (الأموال 37) :(فعشرة دنانير انما هي معدولة بمائة درهم في الزكاة وهو عندنا تأويل حديث عمر بن الخطاب مع تفسيرعمر بن عبد العزيز ، ولا يوجد في هذا مفسر هو أعلم منه ، وهو قول سفيان الثوري) .
العشر يؤخذ مرة واحدة في العام :
يرى جمهور الفقهاء ان العشر لا يؤخذ من تجارة الحربي أو الذمي ، الا عند دخول البضاعة البلد كما هو الحال في (مصلحة الجمارك الحدودية) . فالتاجر الذي يدخل البضاعة يدفع ضريبتها (عشرها أو نصف عشرها) ثم يعطى التاجر ايصالا بهذا ولا يدفع عليها شيئا أثناء تنقله بها في دار الاسلام .
ولا يؤخذ العشر الا مرة واحدة في السنة : وقد قاس بعضهم هذا الحكم على الزكاة . وقد روى البيهقي عن زياد بن حدير : أن أباه كان يأخذ من نصراني في كل سنة مرتين فأتى عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين إن عاملك يأخذ مني العشر في السنة مرتين فقال عمر : ليس ذلك له ، انما له في كل سنة مرة ثم أتاه فقال : انا الشيخ النصراني . فقال عمر : أنا الشيخ الحنيف قد كتبت لك في حاجتك (1)[منتخب كنز العمال من مسند أحمد 2/201 الأموال 538]..
البضائع التي يؤخذ عليها العشر :
يؤخذ العشر أو نصفه على كل تجارة تدخل البلد ، حتى الخمر والخنزير اذا سمحت الدولة الاسلامية بإدخالها للنصارى فإنها تعش ر ولكن لا يؤخذ العشر من أعيانها وانما تق وم ويؤخذ العشر من أثمانها نقدا . وهذا رأي الشافعية وأبي يوسف والمالكية ورأى للحنبلية (1)[أنظر آثار الحرب 536 نقلا عن الإمام 4/125 الخراج لأبي يوسف 133 الشرح الصغير 1/316]. فقد روي عن عمر (ولو هم بيع الخمر والخنزير بعشرها) . قال أبو عبيد ومعنى قول عمر رضي الله عنه (ولو هم بيعها وخذوا أنتم الثمن) . (2)[الاموال ص 50 والمغني 8/520].
وقد كان المسلمون يأخذون الخمر والخنزير جزية على الرؤوس ثم يبيعها المسلمون فاعترض عمر على ذلك ، وكذلك بلال رضي الله عنهم ، أما غير الخمر والخنزير والميتة فقد يؤخذ العشر من عينها أو من ثمنها .