... وقعقعت الموتوسكلات مؤذنة بمقدم الرئيس عبد الناصر، فصعد إلى مكانه في المنصة، كالعهد به، وليس في وجهه ما ينم عن القذيفة التي يحملها بين طيات لسانه، ويتردد دويها في كل أرجاء الوطن العربي .
... وتكلم الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق، وأعقبه السيد شريف بلقاسم نيابة عن مجلس الثورة الجزائري، فأشادا بالثورة المصرية وبقائدها .
... وكان من ضمن البرنامج أن أتكلم بعدهما .. غير أن مدير مكتب الرئيس اقترب مني وهمس في أذني وقال : سيادة الرئيس يريدك أن تتكلم في المؤتمر الشعبي في الإسكندرية في الثامن والعشرين، وسأرسل لك غداً مظروفاً خاصاً .. قلت .. حسناً، الخيرة فيما يختاره الله..
... ووقف الرئيس عبد الناصر، وفتح ملفه المعتاد، وبدا أن الخطاب
(سمين) ، ودخل في صلب موضوع الثورة وإنجازاتها، وأسهب في الحديث عن السد العالي، وعن التحول الاشتراكي، وعن الخطة الخمسية، وعن سائر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في مصر منتقلاً من موضوع إلى موضوع، مع الاستشهاد بالأرقام والإحصاءات ..
... وكان بجانبي السيد حسين مازق ممثل ليبيا آنذاك فقال : يظهر أن الرئيس سيقتصر خطابه على الشئون الداخلية .. وما أن فرغ من هذه الملاحظة حتى أعلن الرئيس .. ( أنتقل الآن إلى العمل العربي ) .. وأشرأبت الأعناق وتطاولت الآذان، وأحسب أن الملايين من الأمة العربية التي كانت تستمع إلى الخطاب في ذلك اليوم قد أمسكت بأنفاسها لترى ما سيقوله الرئيس عن العمل العربي .. يوم كان رجل الشارع يرى أن العمل العربي قد هوى إلى الحضيض .