وكان أهل القطاع في مثل هذه الحالات الوجدانية..كانوا فرقين .. الأول: جيل الرجال والكهول يلتقون مع لداتهم لأول مرة بعد أعوام..والثاني: جيل الشباب يتعرفون على من لا يعرفون من أبناء وطنهم .
وكانت أياما هبت فيها رياح الوجد، فاحتفى هؤلاء بأولئك..وسعد اؤلئك بهؤلاء..وما هؤلاء واؤلئك ألا أبناء الوطن الواحد والشعب الواحد..تمزقوا..تفرقوا أيدي فلسطين..بدلا من القول الشهير تفرقوا أيدي سبأ..
وصلت إلى قطاع غزة تغمرني هذه الخواطر والأحاسيس، وأنا أرى الشعب في الشوارع والميادين، زرافات ووحدانا، يتعانقون، يتباسطون، يتناجون ويتشاكون... ويتعارف بعضهم على بعض .. وكان أول لقائي مع الوفود في حفل غذاء أقامته بلدية غزة في مطعم على الشاطئ .. وأكلنا جميعا أسماك بحرنا، وطيور برنا..كانت أيدينا في أطباق الطعام، ولكن أبصارنا كانت مشدودة إلى البحر..بحرنا..نحن الشعب الفلسطيني.
وبدأ جيل الرجال والكهول من أبناء يافا،يستذكر ويتكلم ويتساءل ( ألسنا في قهوة أبو شاكوش على شاطئ يافا. أيام كنا نأكل الحمص والكباب ) ؟ وتساءل أبناء حيفا ( ألسنا في الكازينو في حيفا، أيام كنا نأكل السمك يأتينا من البحر وهو ( يلعبط ) ؟؟ وتساءل أبناء عكا ( ألسنا في قهوة أبو محمد أمام السور، أيام كنا نسبح في البحر ولا نشبع .. ) ؟؟.
... وكان جيل الشباب من الوافدين يستمعون إلى هذه الحكايات والتشبيهات، وهم في حيرة مما يسمعون .. إنهم لا يعرفون مرابع الوطن السليب الحبيب ... كانت الوليمة في غزة .. ولكن جيل الرجال والكهول كانت الوليمة في خيالهم، في فلسطين بأسرها .. في مرابعها ومغانيها ..