... كان ذلك في العشرين من شهر أيار، وقد آثرت أن أذكر هذا التاريخ بالحروف لا بالأرقام، حتى لا تطمسه الأيام، إذا طمسه النسيان ..
... منذ مطلع الشهر، والاستعدادات قائمة على قدم وساق، لعقد المجلس الوطني في غزة.. كانت الطائرات العربية من كل العواصم العربية تنقل أعضاء المجلس الوطني إلى القاهرة .. وبالتأكيد من المحيط إلى الخليج، فإن الشعب الفلسطيني وممثليه يقيمون في الوطن العربي الكبير، ينتظرون يوم العودة إلى الوطن الصغير .
... ومن القاهرة أعددنا قطاراً خاصاً ينقل الوفود الفلسطينية إلى قطاع غزة .. وكان ميسوراً أن ننقلهم بالطائرات .. ولكننا أردناها عن قصد .. أردنا أن يسير القطار وئيداً بالوفود الفلسطينية وهي ترى قطاع غزة من جنوبه إلى شماله : مدينة مدينة، قرية قرية، مخيماً مخيماً، بيارة بيارة، فإن اجتلاء طلعة الوطن مصدر الوحي والإلهام .. وغصت الفنادق بهؤلاء الفلسطينيين الوافدين على قطاع غزة ؛ العدو أمامه، والبحر وراءه ولا نصر له إلا بالقتال ..
... وكذلك غصت كثير من البيوت، فلا زال الناس على تقاليدهم، يأبون أن يتركوا أصدقاءهم في الفنادق .. هذا عيب، وعيب كبير .
... وكان الوافدون فريقين .. الأول جيل الرجال والكهول، وهؤلاء عرفوا قطاع غزة في الماضي، وجاؤوا اليوم بعد السنين ليروا هذه الرقعة الغالية من وطنهم، ما آل إليه حالها وحال شعبها المقيم منهم واللاجئ .. والفريق الثاني : الجيل الصاعد، يدخل وطنه الذي لا يعرفه ولا يعرف شعبه، يعرفهما بما قرأ وسمع .. ولم يكونوا يقدرون أن ما هو آت سيكون أشد ويلاً وهولاً مما فات ، وأعني أيام حزيران المشئومات !!