تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال النووي في شرحه لصحيح مسلم في قوله ـ عز وجل ـ للذي تكرر ذنبه (اعمل ما شئت فقد غفرت لك): «معناه ما دمت تذنب ثم تتوب فقد غفرت لك» (1).

رابعاً: تعاظم الذنب واليأس من رحمة الله:

كم أقعد اليأس من مذنب عن أن يطرق باب الكريم!! تعاظم ذنبه ونسي أن رحمة الله أعظم وأجل. فكلما هم بالتوبة تذكر ذنوبه وموبقاته فقال: أنّى لي بمغفرة الله وقد فعلت وفعلت؟!! وما يدريكم عن حالي وذنوبي التي اقترفتها وعن سيئاتي التي اجترحتها؟!

فأقول: صدقت نحن لا ندري عنها، لكن حسبنا أن الله يدري بها ومع ذلك لم يعاجلك بالعقوبة!! ينتظر منك أن تطرق باب جوده، يمهلك شفقة عليك ورحمة بك ...

روى ابن ماجة في كتاب (الزهد) وصححه الألباني من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم!!» (2).

وجاء في المسند من الحديث صفوان ـ رضي الله عنه ـ قال ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: «إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة، مسيرته سبعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه» (3).

وبالجملة: فإن الله لا يتعاظمه ذنب أياً كان الذنب، وهو القائل ـ جل شأنه ـ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (4).

فيا من ألمَّ بذنب وخشي ألا يغفر الله له: اقرأ قوله ـ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (5).

أورد ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين) قصة عن بعض الصالحين: إنه رأى في بعض الطرق باباً قد انفتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمّه من خلفه تطرده حتى أغلقت الباب دونه!! فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً ... فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، ولا من يأويه غير والدته!! فرجع مكسور القلب حزيناً فوجد الباب مرتجاً (أي مقفلاً) فتوسّده ووضع خده على عتبة الباب ونام!! فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال, لم تملك أن رمت بنفسها عليه والتزمته تقبّله وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني؟! ومن يأويك سواي؟! ألم أقل لك: لا تخالفني ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك؟! ثم أخذته ودخلت ...

علّق ابن القيم على هذه القصة بكلام جميل فقال: «تأمل قولها (لا

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 75).

(2) رواه ابن ماجة، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، حديث رقم (4248)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم (903).

(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند، حديث رقم (18093) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة، حديث رقم (3289).

(4) الزمر: 53.

(5) النساء: 110.

ألا تحبون أن يغفر الله لكم · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ألا تحبون أن يغفر الله لكمص ٤٧