وكثير من العناء في حياته، هُدِّد ... سُجن ... طرد من بلاده ... كثير حاسدوه وشانؤوه ... ومع ذلك كله: هل كان تعيساً؟ هل كان شقياً؟ هل كان كثير الأحزان؟
اسمعوا إلى كلام ابن القيم عنه يقول: «كان شيخ الإسلام يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ذكر ربه!! والمأسور من أسره هواه!!».
ولما دخل السجن سجن القلعة وصار داخل سورها نظر إلى السور وقرأ قول الله تعالى ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. ثم يقول ابن القيم: «وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم. ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق!! وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً، وأشرحهم وأقواهم وأسرهم نفساً!! تلوح نضرة النعيم على وجهه! وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً!! فسبحان من أشهدَ عباده جنته قبل لقائه» (1).
الثمرة الثالثة من ثمار التوبة
(1) الوابل الصيب 1/ 70.