وإن حصل بغضه وذوق البغيض حصل الألم، فالذي يبغض الذنب ولا يفعله لا يندم، والذي لا يبغضه لا يندم على فعله، فإذا فعله وعرف أن هذا مما يبغضه ويضره ندم على فعله إياه . وفي المسند عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( الندم توبة ) .
إذا تبين هذا، فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها، وإن لم يستحضر أعيان الذنوب إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص، مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه؛ لقوة إرادته إياه أو لاعتقاده أنه حسن ليس بقبيح، فما كان لو استحضره لم يتب منه لم يدخل في التوبة، وأما ما كان لو حضر بعينه لكان مما يتوب منه فإن التوبة العامة شاملته .
وأما التوبة المطلقة، وهي أن يتوب توبة مجملة، ولا تستلزم التوبة من كل ذنب، فهذه لا توجب دخول كل فرد من أفراد الذنوب فيها ولا تمنع دخوله كاللفظ المطلق، لكن هذه تصلح أن تكون سببًا لغفرانه المعين، كما تصلح أن تكون سببًا لغفران الجميع، بخلاف العامة فإنها مقتضية للغفران العام، كما تناولت الذنوب تناولا عامًا .
وكثير من الناس لا يستحضر عند التوبة إلا بعض المتصفات بالفاحشة أو مقدماتها، أو بعض الظلم باللسان أو اليد، وقد يكون ما تركه من المأمور الذي يجب للّه عليه في باطنه وظاهره من شعب الإيمان وحقائقه أعظم ضررًا عليه مما فعله من بعض الفواحش، فإن ما أمر الله به من حقائق الإيمان التي بها يصير العبد من المؤمنين حقًا أعظم نفعًا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة، كحب اللّه ورسوله، فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح أنه كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل يدعى حمارًا، وكان يشرب الخمر، وكان كلما أتى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - جلده الحد، فلما كثر ذلك منه أتى به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تلعنه فإنه يحب اللّه ورسوله ) .