تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك ما للعارفين أهل محبة اللّه من النعيم والسرور بذلك، فإن حبهم للّه شيء، ثم ما يحصل من ذكر المحبوب شيء، ثم اللذة الحاصلة بذلك أمر ثالث، ولا ريب أن الحب مشروط بشعور المحبوب، كما أن الشهوة مشروطة بشعور المشتهي، لكن الشعور المشروط في اللذة غير الشعور المشروط في المحبة، فهذا الثاني يسمى إدراكًا وذوقًا ونيلًا ووجدًا ووصالاً، ونحو ذلك مما يعبر به عن إدراك المحبوب، سواء كان بالباطن أو الظاهر، ثم هذا الذوق يستلزم اللذة، واللذة أمر يحسه الحي باطنًا وظاهرًا .

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح : ( ذاق طعم الإيمان من رضى باللّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا ) ، وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان اللّه ورسوله أحب إلىه من سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا اللّه، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه اللّه منه كما يكره أن يلقى في النار ) .

فبين - صلى الله عليه وسلم - أن ذَوْقَ طعم الإيمان لمن رضى باللّه ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وأن وَجْدَ حلاوة الإيمان حاصل لمن كان حبه للّه ورسوله أشد من حبه لغيرهما، ومن كان يحب شخصًا للّه لا لغيره، ومن كان يكره ضد الإيمان، كما يكره أن يلقي في النار، فهذا الحب للإيمان، والكراهية للكفر استلزم حلاوة الإيمان، كما استلزم الرضا المتقدم ذوق طعم الإيمان، وهذا هو اللذة، وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة في القلب، ولا نفس الحب الحاصل في القلب، بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ولازم له، وهي أمور متلازمة، فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق، وإلا فمن أحب شيئًا ولم يذق منه شيئًا لم يجد لذة، كالذي يشتهي الطعام ولم يذق منه شيئًا، ولو ذاق ما لا يحبه لم يجد لذة، كمن ذاق ما لا يريده، فإذا اجتمع حب الشيء وذوقه حصلت اللذة بعد ذلك .

الزهور العطرة في رياض المغفرة · الصفحة ٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الزهور العطرة في رياض المغفرةص ٩٤