نوائب الحق، و يصادق لوجه الله ويعادي لوجه الله، و يتصدق بماله، غريب بين قومه، ينظر إليه بأنه شاذ منحرف عن جادة الكثرة الكائرة من الناس.
كل ذلك نتيجة من نتائج التركيز على التنمية المادية وتوجيه الشعب إلى المادة وحدها، و إغفال الدين والتنمية الروحية إغفالا كاملا، حتى أصبح الإنسان كالحيوان لا يفكر إلا ببطنه وفرجه وإسطبله.
والذي يقتصر همه على المادة، لا يمكن أن يضحي بروحه في الحرب من أجل مثل عليا، لأنه لم يخلق بعد الإنسان الذي يضحي بروحه من أجل المادة والمبادئ المادية، وكل الذين ضحوا بأرواحهم من أجل المادة كالارتزاق أو من أجل المبادئ المادية ضحوها قسرا لا عن طيب خاطر، و رهبة لا رغبة، بعكس الذي يضحي روحه من أجل دينه ومثله العليا، ليصبح شهيدة تسبغ عليه العناية الإلهية الحياة الدائمة في جنات عدن.
وما أصدق عبدالله بن المبارك حين قال: «ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة: العلماء، والغزاة، والزهاد، والتجار، والولاة. أما العلاء فهم ورثة الأنبياء، وأما الزهاد فهم عماد أهل الأرض، وأما الغزاة فجند الله في الأرض، وأما التجار فأمناء الله في أرضه، وأما الولاة فهم الرعاة. فإذا كان العالم للدين واضعا وللمال رافعا، فبمن يقتدي الجاهل؟! و إذا كان الزاهد في الدنيا راغبا، فبمن يقتدي التائب؟! و إذا كان الغازي طامعة مرائيا، فكيف نظفر بالعدو؟! وإذا كان التاجر خائنا، فكيف تحصل الأمانة؟! وإذا كان الوالي ذئبا، فكيف تحصل الرعاية؟!
فمن أين يأتينا النصر، إذا شيدنا المظهر، وحطمنا المخبر؟!!
وكم أتمنى أن يفتح كل عربي ومسلم عينيه وأذنيه، على الجرائم التي ارتكبت والتي لا تزال ترتكب، بأخبث الوسائل وأخفاها و أفتكها، في غمرة الحديث عن النهضة والتطور، وعن الأدب والفن، وفي وقت من أشد الأوقات خطرا على مستقبل الحياة في الأمة العربية، من حيث هي أمة واحدة،