تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم على مستقبل سائر الأمم الإسلامية، من حيث هي الصديق الطبيعي للعالم العربي، ومن حيث هي الدرع التي تلقت ضربات المعاول الأولى بيد الاستعمار الغربي، ولا تزال تتلقاها، ومن حيث هي الأخيرة الباقية صداقتها وعونها لنا اليوم وغدا، برغم كل ما أدت إليه دسائس الاستعمار وصنائعه وعملائه في بلادنا وبلادهم.

وليس لعربي ومسلم أن يغفل أمر (التبشير) و يتجاهل آثاره، لأنه أقوى العوامل التي مگنت للاستعمار في بلاد العرب والمسلمين، وجعلتنا في الحال التي نحن عليها الآن من الضعف والتفكك، والجهل بالأسباب الصحيحة التي تهييء لنا مستقبلا كريما شريفا في العالم بين الأمم الأخرى.

إن من تمام الجهل أن يظن المرء أن معنى (التبشير) هو اقتصار فئة من الرهبان أو الفسوس بالدعوة إلى دينهم، من حيث هي عقيدة يسمعها المرة فيرضاها أو ينكرها، فهذا أمر باطل أشد البطلان، لا من حيث الواقع فحسب، بل من حيث شرح (المبشرون أنفسهم معنى (التبشير) عندهم، وهم الممارسون له العارفون بأسراره المطلعون على خفاياه، فهم لذلك أدرى به، وأشد بطلان أن يتصور امرؤ أن (التبشير) بمعزل عن الغزو الحربي، والغزو الاقتصادي، والغزو الفكري، والغزو السياسي، وعن محاولة الجنس الأوروبي أن يخضع الأمم السيطرة تدوم ما دامت له حضارة. وأشد بطلانة منها جميع أن يخطر ببال أحد أن (التبشير) قد غاب عن كثير من الدعوات التي قام أصحابها ينادون بضروب من الإصلاح في بلاد العرب والمسلمين و في غيرها من البلاد، وأنه لم يضع فيها إصبعه ليحول معنى الإصلاح إلى معني من معاني التدمير والهم والتحطيم، ومن صدق النية واطلع على كتب المبشرين أنفسهم، عرف أن أكثر الحركات السياسية والاجتماعية قد لوثت بمكره الخفي، وأنه لم يغب عن شيء من الحركات الوطنية أو القومية أو الثقافية أو الأدبية أو ما شئت، بل كان من ورائها عاملا يقظا شديد الخفاء شديد الأثر، يتزئي بكل __________________________

(2) أباطيل وأسهار (1/ 204 - 205)

الوسيط في رسالة المسجد العسكرية · الصفحة ٢٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوسيط في رسالة المسجد العسكريةص ٢٩٢