ومضى قائد السرية، لا يلقى أحدا إلا و يحدثه عن مصيبته بي ويشنع على سلوكي النابي!!
وكان هذا أول درس تلقيته في بداية حياتي العملية من قائد سريني، ثم توالت على الدروس المماثلة كاللحن المكرر بعاد على مسامعي صباح مساء، واللحن المكرر يسأم ول إذا كان مريحة، فكيف إذا كان ناشر؟!
ولم أباغت ما سمعته من قائد سريني، فقد تكاثرت على مسامعي تجارب المجر بين ونصائحهم منذ اعتزمت الالتحاق بالكلية العسكرية: أن أبتعد عن تعاليم الدين الحنيف، وأن أكيف نفسي لتلائم مناخ العسكريين.
و بعد تخرجي ضابطين في الكلية العسكرية سنة 1938 الميلادية، التحقت بمدرسة الخيالة في بغداد، فانهالت على الدعوات الشخصية والرسمية التي يسيل الخمر فيها أنهارة، وانهالت معها على النصائح والانتقادات لاعتذاري عن تلبية تلك الدعوات، وكان هذا الاعتذار يقابل بالاستنكار الشديد والسخط المرير.
ولكنني كنت أتلقى النصح والنقد تارة والاستنكار والسخط تارة أخرى من الداتي الذين لم يتجاوزوا العشرين وهم شباب في مثل عمر الورد، لا ينقصهم المال والفراغ، ولم أكن أتوقع أبدا أن أسمع النقد والمس الاستنكار والسخط بل الاشمئزاز من قائد سريني الذي تجاوز الأربعين من عمره، وأمضى في خدمته العسكرية ما يزيد على العشرين عاما!!
وشاء القدر ألا يطول استغرابي من تصرف قائد سريني، لأنني وجدت تصرف قائد كتيبتي نحوي، - وهو الذي جاوز الخمسين من عمره وقارب الستين، وكان ضابطا مخضرما قضى شطرا كبيرا من خدمته العسكرية في الجيش العثماني، وشهد الحرب العالمية الأولى - لا يختلف في شيء عن تصرف قائد السرية نحوي: كلاهما يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف.