تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كالأكل، والشرب، والمشي، والقعود ونحو ذلك، فهذه لا تدخل في باب التشريع إلا على اعتبار إباحتها في حق المكلفين، فلا تجب متابعة الرسول فيطريقة مباشرته لها، وإن كان بعض الصحابة يحرص على هذه المتابعة كعبدالله ابن عمر، وهذه المتابعة أمر حسن.

ويلحق بهذا النوع في عدم اعتباره مصدراً للتشريع: ما صدرعنه بمقتضى خبرته الانسانية في الأمور الدنيوية، مثل: نتنظيم الجيوش والقيام بما يقتضيه تدبير الحرب، وشؤون التجارة، ونحو ذلك. فهذه الأفعال لا تُعتَبر تشريعاً للأمة، لأن مبناها التجرية لا الوحي، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يُلزم المسلمين بها، ولم يعتبرها من قَبيل تشريع الأحكام، وهذا لما أراد النزول بالمسلمين في مكان معين في غزوة بدر، قال له بعض الصحابة: أهذا منزل أنزَلَك اللهُ فيه،

أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال

الصحابي: ليس هذا بمنزل، وأشار على الرسول صلى الله عليه وسلم يإنزال الجيش في مكان

آخر عينه له، لأسباب بينها للنبي صلى الله عليه وسلم، فاخذ بقوله. ويلحق بهذا النوع أيضاً-

في عدم اعتباره مصدراً للتشريع -: إثبات وقائع الدعوى التي ينظر فيها، لأن ذلك أمر تقديري له، وليس تشريعاً للأمة، أما حكمه على فرض ثبوت وقائع الدعوى. فو تشريع للأمة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بَشرٌ مثلُكم، وإنكم تخْتَصِمونَ إلي، ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألْحنَ بحجتِه من بعض، فأقضيِ له

1 - ((شرح مسلم الثبوت)) ج 2 ص 181 الآمدي ج 1 ص 247 - 248 الشوكاني ص 35 - 36.

-165 -

بنحو ما أسمع، فمَن قَضَيْتُ له بشئٍ من حقِّ أخيه، فإنما أقطَع له قطعة من النارِ (1)،ومعنى: ألحن- أي أقْوَم بها منه وأقدر عليها.

ب- مثيت كونه من خواصه صلى الله عليه وسلم، فهو له وحده، ولا تشاركه الأمة فيه: كاختصاصه بالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، وغير ذلك، فهذه الأمور خاصة به، ولا يصح متابعة الرسول فيها. ففي النكاح: قام الدليل على اقتصار الإباحة لحد أربع زوجات، وفي الوصال في الصوم: ورد النهي عنه في حق الأمة.

ج-ما عرف أن فعله صلى الله عليه وسلم بيان لنص مجمل جاء في القرآن. فبيانه تشريع للأمة ويثبت الحكم في حقنا، ويكون حكم الفعل الذي صدر منه في هذه الحالة، كحكم النص الذي بينه الفعل من الوجوب والندب وغيرهما.

ويكون الفعل بياناًللمجمل إما بصريح المقال، أو بقرائن الأحوال. فمن الأول: قوله صلى الله عليه وسلم ((صَلُّوا كَمَاَ رَأيتُموني أصلي))، وقوله: ((خذوا عني مناسككم، أي مناسك الحج. فأداؤه الصلاة، بيان للصلاة التي أمرنا الله بها بقوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ))، وأداؤه مناسك الحج، بيان للحج المفروض علينا بقوله تعالى: ((ولله عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)) [آل عمران:97].أما قرائن الحال الدالة على البيان، فمثل: قطعه، أو أمره بقطع يد السارق من الكوع. فهذا الفعل بيان للمراد من قوله: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهَمُا)) [المائدة:38] وهذا على رأي من اعتبر النص القرآني الوارد بقطع اليد نصاً مُجملاً، أما من اعتبر ((اليد)) لفظاً مطلقاً، فإنه اعتبر فعل النبي صلى الله عليه وسلم مقيداً له، وهو أيضاً من ضروب البيان.

د- مافعله الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء، وعرفت صفته الشرعية من وجوب وندب وإباحة، فإنه تشريع للأمة، فيثبت حكم ما فعله في حق المكلفين لقوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ

________________________

1 - ((تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول)) ج 4 ص 56.

-166 -

الوجيز في أصول الفقه · الصفحة ٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوجيز في أصول الفقهص ٩٦