من الخلوة بالمرأة والنظر إليها بشهوة وسفر المرأة منفردة من غير محرم. ولما شرع لحفظ العقل تحريم الخمر ومعاقبة شاربها حرم شرب القليل منها وإن
لم يسكر. رداً لذريعة مفسدة الإسكار بشرب الكثير. ولما شرع لإيجاد المال أنواع المعاملات شرع ما يكملها محافظة على المقصود منها، فنهى عن الغرر وبيع المعدوم وجهالة المبيع، ونحو ذلك.
وفي الحاجيات، لما شرع أنواع المعاملات الدافعة للحرج عن الناس شرع الشروط الجائزة، ومنع المحظورة التي تثير النزاع بين الناس. ولما شرع الدية على العاقلة تخفيفاً عن القاتل خطأ، شرعها منجمة، وعلى القادرين على أدائها، وبمقادير يسيرة يسهل أداؤها.
وفي التحسينات لما ندب إلى التطوع في الصدقات شرع تحري الوسط من المال للإنفاق منه، وجعل الشروع في نوافل العبادات موجبا إلى إكمالها.
ويلاحظ أخيراً في موضوع المكملات: أن الحاجيات تعتبر مكملة للضروريات، وأن التحسينات تعتبر مكملة للحاجيات.
- 365 مراتب المصالح في الأهمية:
والمصالح بأنواعها الثلاثة، ليست سواء في الأهمية، فأولاها بالرعاية:
الضروريات، ثم الحاجيات، ثم التحسينات، وعلى هذا فيما شرع من أحكام للأولى أهم مما شرع للثانية، وما شرع للثانية أهم مما شرع للثالثة، ويترتب على هذا وجوب رعايتها بهذا الترتيب، بمعنى أنه لا يجوز العناية بالحاجيات إذا كانت مراعاتها تخل بالضروريات، ولا يجوز مراعاة التحسينيات إذا كان في ذلك إخلال بالضروريات
382
والحاجيات، ولا يجوز مراعاة المكملات إذا كان في مراعاتها إخلال فيما هو أصل لها.
وبناء على هذه الضوابط يباح كشف العورة، وإن كان سترها مطلوباً، إذا كان كشفها يستدعيه إجراء الفحص والعلاج، لأن ستر العورة تحسيني، والعلاج لحفظ النفس ضروري.
ويباح تناول الخبائث كالميتة حفظا للنفس، لأن حفظها ضروري.
ولا يجوز دفع الحرج والمشقة عن الإنسان إذا كان في هذا الدفع تفويت لما
هو ضروري، فالعبادات مثلاً تجب، وإن كان فيها شيء من المشقة، لأن إتيانها ضروري لحفظ الدين، وحفظ الدين من المصالح الضرورية.
وكما لا يراعى تحسيني او حاجي إذا كان في هذه المراعاة إخلال بالضروري، فكذلك الضروريات لا يراعى أقلها أهمية إذا كان في هذه المراعاة تفويت لما هو أكثر أهمية منها. فلا يجوز القعود عن الجهاد جبناً وضناً بالنفس، لأن في هذا القعود تفويتاً لحفظ الدين ورد الاعتداء وصيانة دار الإسلام، وهذه أمور ضرورية أهم من حفظ النفس، وإن كان كلاهما ضرورياً. ويباح شرب الخمر، بل لا يجوز الامتناع عنه إذا تعين طريقاً لحفظ النفس من الهلاك، لأن حفظها أهم من حفظ العقل.
- 366 ما يترتب على هذه المقاصد من مباداء وقواعد:
وعلى أساس مراعاة المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، نتجت جملة
مباداء عامة استنبطها الفقهاء، بناء عليها، وفرعوا منها فروعاً كثيرة. ومن هذه
المباداء والقواعد العامة ما يأتي: