تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

199 - رابعاً: تنقيح المناط:

وهذا من مسالك العلة على رأي بعض الأصوليين، وليس بمسلك على رأي البعض الآخر منهم.

والتنقيح معناه في اللغة: التهذيب والتمييز، والمناط: هي العلة، وفي

اصطلاح الأصوليين يراد بتنقيح المناط: تهذيب العلة مما علق بها من الأوصاف التي لا مدخل لها في العلية، وذلك بأن يرد النص مشتملاً على العلة، مقترناً بها بعض الأوصاف التي لا علاقة لها بالحكم، ولا مدخل لها في العلية من غير أن يدل النص على العلة بعينها.

مثاله: ما ورد في السنة من أن أعرابياً واقع زوجته في نهار رمضان عامداً، فجاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم و أخبره فأمره بالكفارة (1).

فهذا الحديث دل على علية الحكم، ولكن لم يدل على وصف معين أنه هو العلة، أي أن النص اشتمل على العلة ولكن لم يدل على وصف معين أنه هو العلة، فالنص اشتمل على العلة ولكنها غير مهذبة ولا خالصة من الشوائب والأوصاف التي لا علاقة لها بالعلمية، فيأتي المجتهد ويخلص العلة الحقيقية مما اقترن بها أو علق بها، مثل كون المجامع أعرابياً و أن الواقعة حصلت في المدينة، وكون الجماع في شهر

(1) أصل الحديث هذا نصه: - عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله هلكت قال: ما أهلكك! قال: وقعت على أهلي و أنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا قال: هل تجد اطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فاجلس. بينما نحن على ذلك إذ أتى النبي صلى الله عليه و سلم بعذق فيه تمر فقال: أين السائل؟ قاله: أنا. قال: خذ هذا فتصدق به. قال: أعلى أفقر مني؟ فوالله ما بين لأبتيها أهل بيت أفقر منا. فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال: أطعمه أهلك. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة: أنظر " تيسير الوصول" ج 2 ص 340، والعذق، الزنبيل. و اللابة: الأرض ذات الحجارة السود الكثيرة وهي الحرة في المدينة المنورة، ولابتا المدينة حرتاها من الجانبين.

-216 -

رمضان من تلك السنة بعينها، فيستبعد المجتهد هذه الأوصاف، ويصل بعد ذلك إلى أن الوقاع عمداً في نهار رمضان هو علة الحكم بوجوب الكفارة، وهذا ما ذهب إليه الشافعية ومن وافقهم. أما الحنفية و من وافقهم فقد ذهبوا الى مدى أبعد في تهذيب العلة، فليست العلة عندهم خصوص الجماع، وإنما العلة - بعد تهذيبها كاملاً - هي انتهاك حرمة رمضان عمداً بتناول المفطر المفسد للصوم، ومباشرته من جماع أو اكل أو شرب. ويكون الجماع كمفسد للصوم ثابتاً بعبارة النص، ويكون الأكل والشرب كمفسد للصوم ثابتاً بدلالة النص (1). فأنظار المجتهدين تختلف أيضاً

في تنقيح المناط، فقد يعتبر بعضهم أن هذا الوصف هو العلة، وقد يعتبر البعض الآخر وصفاً آخر هو العلة، كما رأينا في قصة الأعرابي، ونظر الشافعية والحنفية لها.

200 - تخريج المناط، و تحقيق المناط:

ومن الاصطلاحات الأصولية التي قد تختلط بغيرها، اصطلاح تخريج المناط، واصطلاح تحقيق المناط.

أما تخريج المناط، فمعناه: استخراج العلة - أي علة الحكم - التي لم يدل عليها نص. ولا إجماع باتباع أي مسلك من مسالك العلة: كالسبر والتقسيم مثلاً: فهو إذن: استنباط علة الحكم التي لم يرد نص بها ولم ينعقد إجماع عليها، بالطرق التي يتوصل بها الى معرفة العلة غير المنصوص عليها، أو غير المجمع عليها، مثل: التوصل الى أن علة تحريم الخمر هو الإسكار، وأن علة الولاية في التزويج هي الصغر، وأن علة إيجاب القصاص في القتل العمد هي القتل بآلة من شأنها أن تقتل عادة، فيثبت حكم القصاص في كل قتل إذا تم بآلة من شأنها ازهاق روح الإنسان،

__________________________________

الوجيز في أصول الفقه · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوجيز في أصول الفقهص ١٢٣