يُعدّ الاستشهاد بالنصوص مطلباً مهمّاً من متطلّبات البحث العلميّ؛ ولمّا كان هذا الأمر كذلك فقد أفردنا له هذا الفصل موضحين الكلام على المثال والشاهد وضوابط استخدامهما وقبولهما وردّهما وطريقة الاقتباس، وما يتبع ذلك من مسائل.
• تعريف المثال والتمثيل:
قال التهانوي: "المثال يُطلق على الجزئي الذي يُذكر لإيضاح القاعدة وإيصاله إلى فهم المستفيد، كما يُقال الفاعل كذا، ومثاله: زيد، في ضرب زيد؛ وهوأعمّ من الشاهد، وهوالجزئي الذي يُستشهد به في إثبات القاعدة، يعني أنَّ المثال جزئيّ لموضوع القاعدة يصلح لأنْ يذكر لإيضاح القاعدة، والشاهد جزئيّ لموضوع القاعدة يصلح لأن يُذكر لإثبات القاعدة" (1).
وأمّا التمثيل فهولدى البلاغيين ضرب من ضروب الاستعارة يقيم به القائل مماثلة بين شيئين أي يمثّل شيئاً بشيء. والتمثيل لدى الأصوليين وعلماء الدلالة هوضرب شبيه بالقياس، ويُعرّفه السَّكَّاكيّ بأنّه "تعدية الحكم إلى آخَرَ، لمشابهةٍ بينهما، وأنّه أيضاً مما لايفيد اليقين إلا إذا عُلِمَ بالقطع أنّ وجه الشبه هوعلّة الحكم".
وجاء في لسان العرب: " تمثّل فلان: ضرب مَثََلاً، وتمثّل بالشيء: ضربه مَثَلاً". وهذا النصُّ يُشير إلى مدلولَيْن آخَرَين من مدلولات مصطلح التمثيل: أوّلهما، أن يأتيَ المتكلّم أوالكاتب بِمَثَلٍ من الأمثال السائرة. وفي حالة المتكلّم قد يأتي المَثَل شاهداً لِمَا أدلى به المتكلّم أولاً، أوقد يكتفي المتكلّم بضربِ المَثَل جواباً أوتعليقاً أووَصْفاً لحادث، أوتِبياناً لأمرٍ من الأمور. وثانيهما أن يأتي المتكلّم بأيّ قول مأثور سواء أكان ذلك القول آية قرآنية كريمة، أم حديثاً نبويّاً شريفاً، أم بيتاً من الشِّعر، أم مَثَلاً سائراً، دون إضافة أيّ شيء آخَرَ لاقبله ولابعده.
• تعريف الاقتباس:
وأمّا الاقتباس؛ فهولدى البلاغيين أن يُضمِّن المتكلِّم منثوره أومنظومه شيئاً من القرآن أوالحديث النبويّ الشريف، على وجه لايشعر بأنّه منهما.
• تعريف الاستشهاد:
وأمّا الاستشهاد فإنّه: "نصّ يُقتبس من مؤلّف آخر يُمكن عدّه مرجعاً" (2).
ومعيار نصوص الاستشهاد هوالشيوع والشهرة، إضافة إلى أنّ هناك خصيصة بنيويّة، تلك هي تحوّل الاقتباسات إلى مقولات ثابتة. وهذه المقولات الثابتة قد تكون لها خصائص صوتيّة ونحويّة ودلاليّة تختلف عن عامّة اللغة. وقد دلّت الدراسات لعدد كبير من الاستشهادات أنّ معظمها مقولات ثابتة كالأمثال والأقوال السائرة والحكم، والقواعد الفقهيّة القانونيّة؛ مثل "الصيفَ ضيّعتِ اللبن" و"البيّنة على المدّعي واليمين على مَن أنكر" (3).
ولكلمة الشاهد معنيان رئيسان: الشاهد، ويُجمع على شواهد بمعنى الدليل، والشاهد، ويُجمع على شهود وأشهاد وشهداء بمعنى مَنْ يُؤدّي الشَّهادة أمام القاضي ونحوه. والاستشهاد في اللغة هوإتيان المتكلّم أوالكاتب بشاهد (بالمعنى الأول) يُعزّز رأيه ويدعمه.
وقد يُضمِّن المتكلّم كلامه شواهد يستمدّها من الآيات القرآنيّة والأحاديث النبوية والأبيات الشعريّة والخطب والمقالات والأمثال والأقوال المأثورة وما إلى ذلك من شعر أونثر. وهكذا فإنّ الاستشهاد كلمة ذات معنى أعمّ من معاني التمثيل والاقتباس. فالاستشهاد قد يأخذ شكل التمثيل أوالاقتباس في معنييهما المتخصصين اللذين أشرنا إليهما آنفاً.
ويُفرّق القلقشندي بين الاستشهاد بالقرآن والحديث والاقتباس منهما، فالاستشهاد بهما يشترط أن ينبّه الكاتب عليه بـ (قال) ونحوه، أمّا الاقتباس فهوأن يُضمّن الكاتب شيئاً منهما ولايُنبّه عليه (4).
ويُفهم من كلام القلقشندي أنّ الفرق بين الاستشهاد والاقتباس أنّ الاقتباس أقرب إلى التضمين.
• الشواهد:
سبق تعريف الشاهد والاستشهاد؛ ويُمكن تقسيم الشواهد بحسب أنواعها، وحسب أغراضها واستخدامها، وقد تكلّمتُ في المباحث التالية عن كلٍّ منها، مضافاً إليها حجيّة الشاهد.
• اختصار الشواهد:
قد يعمد بعض المؤلّفين إلى اختصار الشاهد، مثل تخيّر الشاهد القصير المفيد، أوالجزء المفيد منه، أوالاقتصار على شاهد واحد. وأمّا حكم اختصار الحديث الشريف فقد بيّنتُ ذلك في فصل تنظيم النصوص في مبحث (صور الاختصار في الكتابة).
• أنواع الشواهد:
تُقسم الشواهد بحسب أنواعها إلى:
1 - الشواهد القرآنيّة.
2 - الشواهد الحديثيّة.
3 - الشواهد الشعرية.
4 - الشواهد من أمثال العرب.
(1) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي، 2/ 1447.
(2) المعجمية العربية، علي القاسمي، ص 143.
(3) المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق، علي القاسمي، ص 143؛ وله أيضاً "معجم الاستشهادات" أودع فيه جمّاً غفيراً من ذلك.
(4) صبح الأعشى في صناعة الإنشا، 1/ 189 (النوع السادس) ومابعد، معجم الاستشهادات، علي القاسمي، ص 16 - 19.