بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إنّ البحث والتأليف وجهٌ مشرقٌ من تاريخ حضارتنا، دبّج ذلك يراع العلماء، أفنَوا فيه أوقاتهم وأعمارهم، ورحلوا في طلبه مشرقاً ومغرباً، حتى قيل: إنّ تاريخنا كُتب بمداد العلماء ودم الشهداء؛ لذلك لاغرو أن تكون سنّة الله في العالمين أن يُقيّض لها منهم مَن ينافح عن هذا العلم أوذاك، ويحمل إصره، ويسبر أغواره.
إنّ نِتاج البحث والتأليف يُمثِّل عصارة الفكر الإنسانيّ، ومظهراً من مظاهر حضارة الأمّة، أبدعته قرائح العلماء، وعقول المفكرين؛ لذلك كان مِنْ الضروري تقديمُ نبذة عن طريقة البحث وأسلوبه، ليكون السّالك على خُبْرٍ به، يأخذ منه بطرف، ويُساعده على الإنشاء وتتبّع المعلومة في أوعية المعلومات المختلفة، يُغني بها بحثَه وتصنيفَه، ويُحسِن بعد ذلك عَرضَه وتوصيفَه، وبيانَه وترصيفَه؛ ذلك أنّ الهدف الرئيس لهذا الكتاب هوتقديم ثقافة البحث العلمي للشُّداة.
كما يهدف الكتاب إلى إعداد شخصية المُقبِل على التحصيل إعداداً يُكمل علمَه بطريقة البحث الذاتيّ، ويُساعده على التعلّم المستمرّ، واستعمال التقانات المعاصرة، فالباحث ضالّته الحقيقة، أينما وجدها التقطها، وحيثما التقطها أعلنها.
وإذا كانت كُتبُ البحث العلميّ ومناهجه قد زخرتْ بألوانٍ من الأساليب والطرق التي تُساعد الباحث على تلمّس طريقه في طلب المعلومة وتحليلها، إلا أنّنا آثرنا أن نضعَ ذلك كلَّه في إطار من العِلْميّة التي يقوم عليها علم المكتبات والمعلومات، ذلك العلم الحاضر، الغائب عن أذهان الباحثين، إذ تنمو فيه مهاراتُ البحث في المكتبات ومراكز وشبكات المعلومات.
إنّ أدوات البحث العلمي تطوّرَت تطوّراً مذهلاً بعد دخول التقانات إليها، وأصبح من اللازم على الباحث إتقان استخدامها، إضافة إلى مخزونه المعرفيّ من العلم الذي يُتقنه ويبحث فيه؛ إذ إنّ نتائج أيّ بحث، بل إنّ إجراء أيّ بحث، لم يعد مقبولاً دون استثمار قواعد البيانات المتاحة، ذلك أنّه تبقى فيه ثلمة، لاتلتئم إلا باستخدام الموارد العلمية المفتوحة جميعها على شبكات المعلومات.
ومع علمنا أنّ لكلّ حقل من حقول المعرفة منهجاً في البحث يختصّ به غير أنّي أردتُ بهذا الكتاب أن يكون مدخلاً عامّاً، لايختصّ بفرع من الفروع، بل يستفيد منه طلبة العلم على اختلاف دراساتهم وأغراضهم؛ لذلك فإنّ مناهج البحث العلميّ التي عرضتُ لها في هذا الكتاب تُقدّم لمحةً موجزة عنها، لم أُفصِّل القولَ فيها، لوجود مصادر أخرى اعتنت بهذا الأمر، بشكلٍ يُوضحها ويشرحها، ونظراً لأنّ مرادَ سِفْرِنا هذا أن يكون مرجعاً متداولاً من قِبَل شريحة واسعة من الباحثين، بعيداً عن الدخول في فلسفة المنهج.
لقد اعتنيتُ بوضع أدوات وضوابط بين يدَي الباحث، يلمسها القارئ في فصول الاستشهاد بالنّصوص، وخُطوات البحث العِلميّ، وتنظيم النصوص، وفهرسة الكتب؛ استقيتُها من تجارب بحثيّة ومصادر علميّة وأدبية، تُقعِّدُ كثيراً منها.