تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فسورة الفاتحة مثلاً: عمودها ومحورها «توحيد الربوبيَّة» وهو ظاهر في الآيات الثلاثة الأولى، لتأتي الآيتان الرابعة والخامسة في «توحيد الألوهيّة»، ثم التلقين بالدعاء بالهداية (أي: أن يكون القرآن هدي إلى الصراط المستقيم) وسلوك سبيل الموحدين، الذين تزكت أنفسهم بالتوحيد، وصاروا مؤهَّلين للاستخلاف، لا أولئك الذين غضب الله عليهم لكفرهم وشركهم، ولا الذين اخطأوا سبيل التوحيد فضلوا.

سورة البقرة نموذجاً:

سورة البقرة مع كونها أطولَ سورة في القرآنَ ولكن عمودها الأساس هو «التوحيد» كذلك، وحول هذا العمود قامت سائر الأوتاد الأخرى التي تتكون السورة من نجومها. وأول هذه الأوتاد تصنيف الناس بحسب مواقفهم من التوحيد؛ وهذا التصنيف يؤدي مهمّة أخرى، وهي تفصيل ما أجمل في الآيتين السادسة والسابعة من سورة الفاتحة. وينتهي الوتد الأول بالآية العشرين. ليبدأ الثاني بدعوة الخلق إلى العبادة موظفاً في حضَّهم على القيام بها «دليل العناية» الذي يؤكد باستمرار على توحيد الربوبيَّة. ويأتي الوتد الثالث ليؤكد كل ما تقدم صحته وصدقه بالتأكيد على صدق الرسول - صلى الله عليه وآله وسلَّم - وحجيَّة الرسالة والتحدي بها، واتخاذ عجزهم وشهدائهم عن الاستجابة لذلك منطلقاً لتحذيرهم من رفضه وردَّه دون حجة أو دليل، وقرن ذلك بالبشارة للمؤمنين.

ثم يأتي وتد آخر ينبه إلى أهميَّة الأمثال التي يضربها الله لعباده بقطع النظر عن أركان المثال بعوضة فما فوقها. ففي سورة (الحج:73) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، فالمثل يضع أولئك الذين يشركهم المشركون بالألوهيَّة والربوبيَّة لهم في وضع يجعلهم في غاية الضعف بحيث لا يمكن لعاقل أن ينسب أية قدرة أو طاقة يمكن أن تؤهلهم إلى أي مستوى من مستويات القدرة فضلاً عن مستوى الربوبيَّة والألوهيَّة. فهم لا يستطيعون خلق ذبابة ولو حاولوا ذلك مجتمعين، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقرّر أن الذباب إذا سلبهم شيئاً لا يستطيعون استعادته منه، فأيّ سفه بعد ذلك يمكن أن يوصف به

الوحدة البنائية للقرآن المجيد · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوحدة البنائية للقرآن المجيدص ٥٥