تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القرآني من الحذف والذكر، والإيجاز والإطناب، وجمال التصوير، وحسن التشبيه، والكنايات، والاستعارات. وقد تحدث عن ألفاظ القرآن وثراء معانيها ومناسبتها لتلك المعاني حديثاً يجعلك تتصور الكلمة كائناً حيّاً ذا نفس سائلة بحيث يمكن أن يوصف بالخفة والثقل، والسمو والهبوط، والرقي والنزول، فيقول: " ... وقد يستخف الناس ألفاظاً ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها؛ ألا ترى أن الله - تبارك وتعالى- لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب، أو في موقع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذلك المطر؛ لأنك لا تجد القرآن يلفظ الغيث في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين، ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعاً، والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال ... " (1).

الألفاظ والمعاني:

وإذا كانت الكلمة تصلح في مكان فقد تفسد في مكان آخر. وقد تدل على معان مشتركة في موقع لتدل على معنى واحد في موقع آخر. وقد تكون في أصل الوضع اللُّغوي لا تدل على معنى مفرد، فيراد لها أن تدل على معان عديدة. والكلمة في تعبير مَّا تساعد في رسم صورة بيانية معيّنة، وهي في تعبير آخر تشارك في رسم لوحة مغايرة، وهي في موضع تبدو غنيّة بالمعاني، وفي موضع آخر تبدو فقيرة متواضعة تعطي المعنى الواحد والمعنيين. ولذلك كانت العرب تتبارى في التعبير عن المعاني الكثيرة بالألفاظ المحدودة المعدودة، فكثرة معاني اللفظ وتنوع دلالاته في الميدان الواحد ميدان بلاغة وفصاحة تشرئب إليه أعناق البلغاء وعقول الفصحاء. فاختيار الخطيب أو الشاعر لألفاظ ذات دلالات واسعة بحيث تكون بمثابة دار عامرة فيها غرف مبنيّة وفضاء وفناء ومرافق ومنافع يتفيؤ القارئ ظلالها، ويستمتع بكل جوانبها

(1) راجع: البيان والتبيين، الجاحظ، 1/ 33. ويعتبر الجاحظ مؤسّس "نظريَّة النظم" وفقاً لأصول المعتزلة. ومذهبهم في صفة الكلام. والجمع بين مذهب الفريقين الأشاعرة والمعتزلة في "مآل النظريَّة"، وما يستفاد بها ليس بالأمر المتعذّر.

الوحدة البنائية للقرآن المجيد · الصفحة ٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوحدة البنائية للقرآن المجيدص ٣٥