تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الوقت نفسه نجد نماذج أخرى من العلماء تكونت لديهم الصوراف عن النظر في "وحدة القرآن" بل وحدة السورة الواحدة فنفوها عقلاً ووقوعاً ... فالعز بن عبد السلام يتطرق لذلك ويتبنّى موقف النافين فيقول: " ... علم حسن، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد، مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك فهو متكلّف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك، يصان عن مثله حسن الحديث فضلاً عن أحسنه. فإن القرآن قد نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، شرعت لأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض" (1).

ويأتي الدكتور محمد عبد الله دراز بعد العز بقرون كالمعتذر عنه ليبين: أن هناك ما قد يسوغ ما ذهب إليه نحو العز من نفي "الوحدة البنائيَّة"، فيعرض -رحمه الله- الأسباب التي اجتمعت على القرآن بحيث كان يمكن أن تجعل نظم السورة القرآنية مفككاً أو غير مترابط بشكل يسمح بالقول "بوحدة السورة"، فضلاً عن القول "بالوحدة البنائيَّة" على مستوى القرآن، فذكر ثلاثة أسباب هي:

1. أن القرآن بما امتاز به أسلوبه من اجتناب سبل الإطالة، والتزام جانب الإيجاز صار أسرع الكلام تنقلاً بين شؤون القول؛ فهو ينتقل من وصف إلى قصص إلى تشريع إلى جدل إلى ضروب شتى من فنون الكلام، وهذا أمر يجعل الحفاظ على تناسب المعاني وتلازمها أمراً عسيراً.

2. أن القرآن لم يكن ينزل بهذه المعاني جملة واحدة، بل كان ينزل بها آحاداً متفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة المتنوعة، وهذا الانفصال الزماني بينها، والاختلاف الذاتيُّ بين دواعيها كان بطبيعته مستتبعاً لانفصال الحديث عنها على ضروب من الاستقلال لا يدع منزعاً للترابط والوحدة.

3. هو تلك الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السورة من تلك النجوم.

(1) الإتقان، السيوطي، 2/ 108 ولابن عاشور تحفظ قريب من هذا راجعه في المقدمة الثانية (1/ 27)

الوحدة البنائية للقرآن المجيد · الصفحة ٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الوحدة البنائية للقرآن المجيدص ٣١