تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

13 – فبسببِ نقضِهمُ الميثاقَ المؤكَّدَ الذي أُخِذَ عليهم، أبعدناهمْ عنْ رَحمتِنا، وطَردناهمْ منَ الهُدى؛ عقوبةً لهم، وجَعلنا قلوبَهمْ غَليظةً لا تَلين، تَنبو عنْ قبولِ الحقّ، ولا تَتَّعظُ بموعِظة. وكانوا يُحَرِّفونَ كلامَ اللهِ ويَفتَرونَ عليه، ويؤوِّلونَه، ويَحمِلونَهُ على غيرِ مُرادِه، وتَركوا قِسماً وافياً منَ التَّوراة فلمْ يَعمَلوا به.

ولا يزالُ هذا شأنَهمْ حتَّى صارَ المكرُ والخيانةُ عادةً لهم، فترَى منْ آثارِ ذلكَ غدرَهُمْ بكَ وأذاهُمْ لكَ ولأصحابِكَ الآن، إلا القليلَ منهم، وهمُ الذينَ أسلَموا. فاعفُ عنهم، وتَجاوزْ عمَّن أساءَ إليك، ما داموا على عهدِكَ ولم يَخونوك، فلعلَّهمْ يَهتدونَ بهذا الأسلوب، واللهُ يُحِبُّ مَنْ عفا وأحسَن، وتجاوزَ وتفضَّل.

ويبدو أنَّ الأكثرَ يَعتبرونَ الآيةَ مَنسوخة، بآيةِ السيفِ أو غيرِها، كما قالَ ابنُ الجوزيُّ في "النَّواسِخ"، لكنْ أوردَ قولَ ابنِ جريرٍ الطبريِّ: يَجوزُ أنْ يُعفَى في غَدْرةٍ فَعلوها ما لم يَنصِبوا حَرباً، ولم يَمتَنعوا مِنْ أداءِ الجزية والإقرارِ بالصَّغار، فلا يَتوجَّهُ النَّسخ.

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:14]

14 – والذينَ ادَّعَوا أنَّهمْ نصارَى مُتابِعونَ لعيسَى بنِ مريمَ عليهِ السَّلام، وهمْ ليسُوا كذلك، أخَذنا منهمُ العهودَ والمواثيقَ بمتابعةِ الرسولِ ومناصَرتِه، والإيمانِ بأنبياءِ اللهِ كلِّهم، ومنهمْ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، ولكنَّهمْ خالَفوا ونَبذوا قِسْماً كبيراً ممّا عُلِّموهُ وذُكِّروهُ في التوراةِ والإنجيل، وصَاروا مثلَ اليهودِ مُناقِضينَ للمَواثيق، فكانَ جزاؤهمْ أنْ ألقَينا بينهمُ العَداوةَ والحِقدَ والتباغُض، حتَّى صارَ يَلعنُ بعضُهم بعضاً ويُكفِّرونَهم، ولا يَزالُ هذا شأنَهم حتَّى آخِرِ الدُّنيا، وسوفَ يُحاسِبُهمُ اللهُ على أعمالِهمْ وما نَسبوهُ إليهِ زُوراً وبُهتاناً، وما نَقضوهُ منَ العُهودِ والمواثيقِ التي أخذَها عليهم، ويُعذِّبهمْ على ذلكَ عذاباً شديداً.

﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:15]

الواضح في التفسير · الصفحة ٢٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الواضح في التفسيرص ٢٦٥