تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوقت، فرصة أكبر لتحديد الغاية التى يسعى إلى تصورها، مما يعزز زخم حركة خياله صوب ذلك الهدف.

ولاغرابة فى ضوء هذا الطرح، أن صار فن الكتابة العربية عامة، والنسخ اليدوى للقرآن الكريم بخاصة، هو الفن الأكثر شعبية، فى العالم الإسلامى عبر القرون. وراود أمل سام وحيد، أناسا من الملوك ومن العامة على السواء، طيلة حياتهم، هو أن يتمكن الواحد منهم من نسخ المصحف بيده، ثم يلقى الله تعالى (1).

ووفق ما ذكره الزمخشرى فى كتابه " أساس البلاغة " فى مادة (قلم)، فإن الوزير محمد أبو على بن مقلة، هو الذى ضاهى بين الكتابة والشعر، وأعطى " النظم " ذات الوظيفة فى كلا هذين الفنين. وحدد السمات الأساسية لفن الكتابة بخمس: التوفية (أى إعطاء الكلمة نصيبها الكامل من الحروف التى تتألف منها، لتكون العلاقة بين الكل والجزء متوازنة ومتناغمة)، والإتمام (إعطاء كل حرف ما يستحقه من الفضاء ومن التوكيد) والإكمال (إعطاء كل حرف كل ما يتفق مع شخصيته المرئية المعبر عنها فى وضعيته: الترصيف، التأليف، الفلطحة، التسطير، التقويس الخفى والظاهر، التنصيل، والتهديب)، والإشباع (إعطاء كل حرف ما يتطلبه جرسه الداخلى بالترقيق أوالتفخيم)، والإرسال (انسياب الخط فى حركة حرة، لا يعوقها أى تردد أو عائق داخلى، مما يولد زخما بالغ السرعة) (2).

وقال الإمام أبو حيان التوحيدى فى كتابه (علم الكتابة):" إن الكتابة، بوجه عام، هى تصميم روحى بوسائل مادية " (3). وردد المسلمون على مر العصور حكما مأثورة، لا يعرف منشؤها على سبيل التحديد، من قبيل:" عقول الرجال تحت أسنان أقلامهم "، رى الفكر الكتابة ". "الخط الجميل يخفف من ضحالة الفكر، ويمد الفكرة السديدة بقوة الحياة" (4).

ولقد اعترف الكثير من أعلام الفكر ممن ذاع صيتهم فى العصور الوسطى فى العلوم الإنسانية، من أمثال: ابن أبى الربيع، ومحمد أمين، وابن الأثير، وابن النديم، والقلقشندى، وغيرهم، بما أنجزه نظراؤهم فى حقل فنون الكتابة. وافتخروا بحقيقة تطور الكتابة العربية، بدرجة فاقت كتابة أى لغة أخرى، وبوصولها إلى مقامات سامية فى الجمال ونصاعة التعبير، منعدمة النظير، وتزينها باختصاصها بحمل القيمة الدينية العليا، كمطية ووسيلة للتعبير عن الحكمة الربانية. وأكدوا صحة تقديرهم لفضل فن الكتابة برضا وقناعة تامة، بالقول بأن القرآن نفسه احتفى بها فى آية تتضمن القسم بالقلم والكتابة. ولنقرأ هنا قول الله تعالى:" ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ"، وقوله سبحانه وتعالى:" اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿1﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿2﴾ اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿3﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿4﴾ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " (5).

ومع أن كل الفنون تمارس نفوذا نبيلا وإنسانيا على من يجلها، فإن الفن اليونانى وفن عصر النهضة، صب باتجاه تعزيز احتفاء الإنسان

(1) الدليل على ذلك هو وجود عدد لا يحصى من المخطوطات القرآنية، التى أعدها، أو اقتناها، أناس من كل المستويات من الملوك، ومن الأشراف، ومن العامة.

(2) ناجى زين الدين، مصور الخط العربى، بغداد: المجمع العلمى العراقى،1388/ 1968،ص 372.

(3) المرجع السابق، ص396، حيث اقتبس ناجى زين الدين، فصلا كاملا من مخطوطة التوحيدى، الموسومة " الرسالة فى علم الكتابة "، وهى مخطوطة غير منشورة بمكتبة جامعة القاهرة.

(4) المرجع السابق.

(5) القلم:1، العلق: 1 - 5.

التوحيد مضامينه على الفكر والحياة · الصفحة ٣٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التوحيد مضامينه على الفكر والحياةص ٣٣٢