على الوعى التام باستحالة وصفه أو تصويره. ومع تطويع الكتابة العربية ذاتها لتكون مادة للأربيسك، استطاع الفنان المسلم، تضمينها فى أى عمل فنى، عن استحقاق، أيا كان محتواه التصورى. وأصبح بوسع الخط العربى، أن يغزو، أى عمل فنى، ويرفع من مقامه بتكميل زخمه، أو قيمته الجمالية، سواء دمج الفنان الكلمة المكتوبة فى العمل الفنى، أو أبقاها قائمة بذاتها.
وأدى تبجيل القرآن فى نفوس المسلمين كافة، إلى انتشار فن الكتابة بسرعة. وحشد المسلمون له أعظم ما لديهم من مواهب، وجعلوه ملازما للمسلم فى كل لحظات حياته. فلقد صارت الكتابة العربية هى الفن الإسلامى العام. وبخطوط بديعة، نقشت الكلمة العربية على الحجر أو الجص أوالخشب، أو الورق، أو الجلود، أو الأقمشة، وزينت بها المنازل والمكاتب والحوانيت والمساجد، والحوائط والسقوف. وبلغ تأثير هذا الفن، وتغلغله وحضوره فى كل مكان، حدا لم يعد من الممكن معه أن تتقاعس أى مدينة أو قرية مسلمة عن إنتاج عشرات الروائع الفنية منه عبر القرون.
بل لم يسلم أعداء الإسلام من التأثر بهذا الفن. فمع ما شاب الكتابة العربية، فى أسبانيا وفرنسا وإيطاليا المسيحية، على المستوى التصورى، من الافتقار إلى الإتقان بسبب الجهل وعدم الكفاءةفى فهم مدلولاتها والغوص فى عمقها، فإنها لم تتوقف عن استعمالها تلمسا لإمكانياتها الجمالية العظيمة (1). فالحدس الحسى الجمالى النابع من الكلمة العربية يماثل، بل يفوق، أى أربيسك، من حيث قدرته على إطلاق العنان للتصور، فى تحليقه صوب الإمساك بالفكرة العقلية. ذلك أن الكلمة العربية المكتوبة تتيح للمشاهد القادر على معرفة محتواها العقلى، فى نفس
(1) نحت مؤرخو الفن مفهوم " موزاربيك "للتعريف بتقليد كامل للزخرفة الأسبانية والإيطالية المسيحية يتضمن موضوعات وتصميمات عربية.