وكانت وظيفة الكلمة المكتوبة فى الأعمال الفنية الغربية والهندية رمزية منطقية، جملة وتفصيلا، تخاطب العقل وحده، على نحو لا يختلف فى شئ عن وظيفة الأرقام المكتوبة بالعربية أو بالرومانية. ولم يختلف حال الخط العربى قبل الإسلام عن ذلك بكل تأكيد. ومع مجئ الإسلام، وما صاحبه من قوة دفع باتجاه تركيز الفن المرئى على البعد المتعالى المفارق للطبيعى، انفتح أفق جديد لتوظيف الكتابة، كان ينتظر من يستكشفه. وهنا نهضت العبقرية الإسلامية مستجيبة لهذا التحدى.
وكتبت كلمات الله بخط النسخ المتصل المنحدر من الخط النبطى، أو بالخط الكوفى الموروث عن الخط الآرامى عبر السريانى. وكانت الدلالة منطقية وغير حدسية، تماما كما هو الحال بالنسبة لأية لغة أخرى، بل ربما بدرجة تفوق اللغات الأخرى، لأن شعوب الشرق الأدنى لم تكن تعرف بعد شيئا اسمه: فن الخط.
وكان الرومان قد طوروا بعض مهارات تجويد الخط، ولكن مغزاها ظل على ما كان عليه الحال من قبل، منصبا على البعد المنطقى وغير الحدسى. وأنتج الرهبان السلتيين فى أيرلندا بعض مخطوطات مزخرفة مثل كتاب كيلز. إلا أن فن الخط عندهم ظل عند مستواه الرومانى. فقط تم صقل الحرف وتجميله بالزخرفة. ولكن مدلوله الجمالى ظل منطقيا. فالزخرفة كانت سطحية، ولم تغير طبيعة الحروف، وظل كل حرف قائم بمفرده. وكان لزاما على القارئ أن ينتقل من حرف إلى حرف، وأن يستدعى الفهم، وأن يؤلف بين العقل والذاكرة معا لترجمة الحروف المنقوشة، إلى الكلمة أو المفهوم الكائن بالعقل. وخلت تلك الأعمال الفنية من أى حدس جمالى للحرف، أو للكلمة، أو للخط، أو للجملة المكتوبة.
وبالتدريج، وفى مدى زمنى لم يتعدى جيلين، حول الفنان الإسلامى الكلمة العربية إلى عمل فنى مرئى محمل بدلالة جمالية معطاة