تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأربيسك اللامتناهى فى التنوع فى الفنون المرئية، بل طوع كل مادة فنية متصورة بحيث تصير مرآة عاكسة لجوهرها. وظلت قريحته بعد ذلك كله متأهبة لتحقيق نصر نهائى آخر فى هذا المضمار.

وينبغى التذكير هنا، بأن تاريخ ما قبل الإسلام عرف الإبداع الجمالى للكلمة فى النثر الأدبى والشعر. وعلى الرغم من أن هذا الفن وصل على يد العرب عشية مجئ الإسلام حدا غير مسبوق لدى أى أمة أخرى، فإن إسهام بلاد الرافدين، والعبريين، والإغريق والرومان، والهندوس فى الارتقاء ببديعيات الكلمة، لم يكن بالمتواضع. إلا أن البشرية لم تعرف قبل الإسلام، فى أى مكان، بما فى ذلك عالم العرب، فنون الكلمة المكتوبة. فلقد اتسمت الكتابة، فى كل أرجاء المعمورة بالبساطة، وعدم الاهتمام بالتحسينيات الجمالية حتى ذلك الحين. ولا تزال الكتابة محتفظة بتلك السمتين فى معظم أرجاء العالم حتى الآن.

فلقد استخدمت الكتابة فى الهند، وفى الغرب المسيحى، فى تحقيق وظيفتها الأصلية، أى كرمز منطقى. وجرى تكميل التصويرات المرئية (الرمزية) للفنون المسيحية والهندوسية، بالكتابة، بالاستعانة بالرمزية المنطقية للحرف، فى التعبير عن المفهوم غير الحدسى المرغوب. ومعروف أنه لا تظهر الحاجة إلى التفكير غير الحدسى لإنقاذ الفن المرئى، إلا إذا كان ذلك الفن عاجزا عن التعبير بنفسه، عن الفكرة الحدسية البدهية المراد التعبيرعنها. فلم يحتج نحات تمثالى أبولو وأفرودايت إلى تدعيم عمله الفنى بالكتابة، لأنهما يفصحان للمشاهد بالمرئى وحده عن الألوهة، لكون الفكرة البدهية فيهما قابلة للحدس، بذات جمال الشكل والشخصية البشرية البادى للحس. والأمر على خلاف ذلك بالنسبة للفن البيزنطى والهندوسى، حيث تخلو الأشكال من هذا الجمال الإيحائى، لكونها منمطة. وهذا هو سر استعانتها بالكتابة.

التوحيد مضامينه على الفكر والحياة · الصفحة ٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التوحيد مضامينه على الفكر والحياةص ٣٢٧