وبادئ ذى بدء، فى السير نحو هذا المراد، اتخذ الفنان المسلم من التنميط وسيلة لتغريب ما يستعين به من الطبيعة عنها. ودفع المسلمون العرب الأوائل بتلك الوسيلة إلى نهاية منطقها. فبالتنميط حقق الفنان المسلم، أولا، غياب التنوع، وبراعم النمو من الساق، إلى الفروع، إلى أطراف أوراق النبات، التى هى خاصية المملكة النباتية. وصار سمك الساق والفرع، ونسيجهما، وشكلهما واحدا، فى كل اللوحة.
وبغياب التنويع تم أيضا إبطال سمة النمو. فكل الأوراق والزهور فى الرسمة الواحدة متماثلة. ثم وجه ذلك الفنان ضربته القاضية، فى نهاية المطاف، للتطبيع، بالتكرار. فبتكرار الساق والورقة والزهرة، وجعل كل منها ينبثق من الآخر على نحو لا نهائى، يستحيل وجوده فى الطبيعة، أزيل كل ما يشتم منه أن فكرتها مستوحاة من الطبيعة. وحقق الفنان بالتكرار، ذلك الأثر، بكل ثقة وبكل جلاء، إلى حد بات معه بوسعه أن يتسامح مع عدوه – أعنى النمو – بتكرار ما يكون قد تلبس بتلك السمة فى جزء من المشهد، فى ثنايا ذلك العمل الفنى كله. وهكذا تم استئصال الطبيعة من وعى المشاهد.
وساهم توظيف مساقط الخطوط المستقيمة والمقاطع والدوائر فى تصميمات هندسية أو حرة فى تحقيق هذا الهدف على أحسن وجه، بلا ريب. وقد تأتلف تلك التصميمات، مع مادة الساق أو الورقة أو الزهرة، لتكشف للمشاهد على نحو أبلغ من مجرد الاستعانة بالأشكال الهندسية كوسيلة لنفى السمت الطبيعى، عن البعد المراد تجريده منه.
وأخيرا، استعان الفنان بإخضاع التكرار لمبدأ التساوق، بحيث يمتد ببعد متماثل من كل الاتجاهات، فى تصيير العمل الفنى فى جوهره مجالا لا نهائيا للرؤية. وبصفة زائدة عرضية، يفرد الفنان جزءا من هذا المجال اللانهائى، بشكل تحكمى، ويؤطره بالأطراف الطبيعية لصفحة أو