--- قوله : ( وعرفتَ أن التوحيدَ الذي جحدوه هو توحيدُ العبادةِ ) : وهذا هو الغالب ؛ أن شرك المشركين يكون في توحيد العبادة ، وهو التوحيد الذي جحده المشركون ، وقد يقع إشراكهم في توحيد الربوبية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، فمن الثاني – توحيد الربوبية – ما جاء في الصحيحين من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه قال : (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة ، فلما انصرف أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ! قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب ، وأما من قال : بنوء كذا وكذا ، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب ) (1)
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن – رحمه الله - " قوله : ( أصبح من عبادي ) : الإضافة هنا للعموم ، بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر ، كقوله تعالى : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) [ التغابن : 2]
وقوله : ( مؤمن بي وكافر ) : إذا اعتقد أن للنوء تأثيراً في إنزال المطر فهذا كفر لأنه أشرك في الربوبية ؛ والمشرك كافر ، وإن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر لأنه نسب نعمة إلى غيره "(2) .
أما توحيد الأسماء والصفات ، فقد أنكر المشركون اسم الرحمن كما في قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً ) [ الفرقان : 60] قال ابن كثير – رحمه الله - : " كانوا ينكرون أن يسمى الله باسمه ( الرحمن ) كما أنكروا ذلك يوم الحديبية (3) حين قال صلى الله عليه وسلم للكاتب : ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) فقالوا : لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ، ولكن اكتب كما نكتب : باسمك اللهم " (4) .
(1) - رواه البخاري ورقمه ( 846) ومسلم ورقمه (125) .
(2) - فتح المجيد ص 459.
(3) - أخرجه البخاري ورقمه ( 2731، 2732) .
(4) - تفسير ابن كثير ( 6/129 ) .