قوله : (وأنه لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : بيّن المصنف – رحمه الله – أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي في عصمة الدم والمال والعرض ، فقد أقر إبليس به ( قال رب بما أغويتني ) [ الحجر : 39] وأقر المشركون به ، ومع ذلك لم يدخلهم هذا الإقرار في الإسلام ، ولم يحرم دماءهم وأموالهم ، حتى يقروا بتوحيد الألوهية ، فبين هذين النوعين تلازم ، فالإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية ، فمن عرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لجميع أمره وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له ، والإقرار بتوحيد الألوهية يتضمن الإقرار بتوحيد الربوبية ، فمن عبد الله عز وجل ووحده فلا بد أن يكون قد اعتقد انه هو ربه وخالقه .
ومن هنا يتبين لك أهمية توحيد الربوبية في كونه يعتبر دليلاً لإثبات توحيد الألوهية ، قال إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله - : " فأما توحيد الربوبية فهو الأصل ولا يغلط في الألهية إلا من لم يعطه حقه " (1) وقال أيضاً : " فاعلم أن أهم ما فرض الله على العباد معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره بإرادته ، فإذا عرفت هذا فانظر ما حق من هذه صفاته عليك بالعبودية بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه ، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة ، ولذلك يعرف عباده بتقرير ربوبيته ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته التي هي مجموع عبادته على مراده نفياً وإثباتاً ، علماً وعملاً جملة وتفصيلاً " (2) .
[ بيان التوحيد الذي جحده المشركون الأولون ]
وعرفتَ أن التوحيدَ الذي جحدوه هو توحيدُ العبادةِ ، الذي يُسميه المشركون في زماننا [ الاعتقاد ] .
(1) - الدرر ( 2/43) .
(2) - الدرر ( 1/80)