تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله : (( والثاني : قولُه تعالى : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ) [ النحل : 107] فصرحَ أن هذا الكفرَ والعذابَ لم يكن بسبب الاعتقادِ أو الجهلِ أو البغضِ للدين أو محبةِ الكفر ، وإنما سببُه أن لهُ في ذلك حظاً من حظوظِ الدنيا فآثرَهُ على الدينِ )) : وجرى هذا لأناس كثيرين تركوا الالتزام بهذا الدين ؛ لا كرهاً له ، ولا تكذيباً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا حَنقاً على هذا الدين ، بل هم يعلمون في قرارة نفوسهم أنه الدين الحق الذي جاء به الله لإنقاذ البشرية من الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء ، لكن حب الدنيا وملذاتها والرغبة في الملك وشهواته جعلتهم يحيدون عنه ؛ فمن ذلك هرقل ملك الروم ؛ ترك الدخول في دين الإسلام رغبة في بقائه على الملك ، وإلا فهو القائل : " فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه " يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جمع هرقل عظماء الروم في دسكرة له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت ، ثم اطلع فقال: " يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي ؟ فحاصوا حيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت ، فلما رأي هرقل نفرتهم ، وأيس من الإيمان قال:ردوهم علي..." الحديث رواه البخاري (1) .

وما جرى لجبلة بن الأيهم الغساني من ذلك أيضاً (2) . وما حصل لرأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول ، وكذا كفار قريش ؛ كأبي جهل وأضرابه من هذا الجنس ؛ تركوا الانصياع لهذا الدين من أجل حطام الدنيا فاختاروا الكفر على الإيمان فمنعهم الله من الهداية فقال في نهاية الآية (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [النحل: 107 ] .

(1) - ورقمه (7) .

(2) - انظر خيره في البداية والنهاية (8/65) .

التوضيحاتُ الكاشفاتُ على كشفِ الشُبَهاتِ · الصفحة ٢٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التوضيحاتُ الكاشفاتُ على كشفِ الشُبَهاتِص ٢٧١