القسم الثالث: أن لا يوافق لا ظاهراً ولا باطناً ، ويصبر على القتل ، فهذا جائز ، وهو من الصبر لكن هل الأولى أن يصبر أو لا ؟ فيه تفصيل : أولاً : إذا كان الإكراه لا يترتب عليه ضرر في الدين للعامة ، فإن الأولى أن يوافق ظاهراً لا باطناً لا سيما إن كان بقاؤه فيه مصلحة للمسلمين كصاحب المال ، أو العلم المنتفع بهما ، وأما أشبه ذلك ؛ حتى وإن لم يكن فيه مصلحة ففي بقائه على الإسلام ، زيادة عمل صالح وهو خير ، وقد رخص له بالكفر ظاهراً .
ثانياً : إذا كان في موافقته وعدم صبره ضرر على الدين ، فإنه يصبر وقد يجب الصبر ولو قتل ؛ لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله ، وليس هذا من باب إبقاء النفس ، ولهذا لما شكا الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ما يجدونه من مضايقة المشركين ، ذكر لهم أنه كان فيمن قبلنا من يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه (1) , ولو حصل من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الوقت موافقة المشركين وهم قلة لحصل بذلك ضرر عظيم على المسلمين ، والإمام أحمد رحمه الله أوذي وصبر حين أبى أن يقول : القرآن مخلوق ، ولو وافقهم ظاهراً لحصل في ذلك مضرة على الإسلام " (2) ولهذا شدد الإمام أحمد رحمه الله في هذا الأمر حين سئل عن العالم ، وهل له أن يأخذ بالتقية في فتواه ، فقال : " إذا أجاب العلماء تقية ، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق " (3) .
النوع الثاني : إكراه غير ملجئ : وهو ما لا يكون التهديد فيه مؤدياً إلى إتلاف النفس أو عضو من الأعضاء ؛ كالتهديد بالقيد أو الحبس مدة (4) فهذا ليس بعذر .
(1) - رواه البخاري ورقمه (3612) من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه .
(2) - المجموع الثمين (2/35) .
(3) - البحر المحيط لأبي حيان (2/424) نقلاً من كتاب ضوابط التكفير للشيخ عبد الله القرني ص 278.
(4) - انظر : رفع الحرج في الشريعة الإسلامية ص 243 للشيخ صالح بن حميد .