قال شيخ الإسلام عن ما يعرض للقلوب : " لكن قد يعرض لها ما يفسدها؛ إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق ، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه ، ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة : ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ) [ الفاتحة : 6- 7 ] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون ) لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته ، والنصارى لهم عبادة وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ، لكن بلا علم فهم ضلال ، هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح ، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له ، وينضم إلى ذلك الظن واتباع الهوى ، فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة ولا قصد نافع ، بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب : ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) [ الملك : 10]
وقد ذكر إمام الدعوة رحمه الله في مسائل الجاهلية (1) أموراً يعتذر بها الكفار في ترك الحق وقال : إن من أعظمها – وهي القاعدة الكبرى لجميع الكفار من أولهم إلى آخرهم – التقليد كما قال تعالى : ( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) [ الزخرف : 23 ]
وقال : إن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر ويحتجون به على صحة الشيء ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله .
ومنها : الاحتجاج بالمتقدمين ؛ كقوله تعالى : ( قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ) [ طه : 5 ] .وقوله : ( مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ) [المؤمنون : 24 ] .
(1) - الفتاوى (7/528) .