وهذا كرجلٍ غنيٍّ لهُ مالٌ كثيرٌ يرى رجلاً محتاجاً فيعرضُ عليه أن يُقرضَهُ ، أو يهَبَهُ شيئاً يقضي به حاجَتَهُ ، فيأبى ذلكَ المحتاجَُ أن يأخذَ ويصبرَ إلى أن يأتيَهُ اللهُ برزقٍ لا منَّةَ فيهِ لأحدٍ ؛ فأينَ هذا من استغاثةِ العبادةِ والشركِ لو كانوا يفقهون ؟!
قوله : (( ولهمْ شبهةٌ أخرى : وهي قصةُ إبراهيمَ لما أُلقيَ في النارِ ، اعترضَ لهُ جبريلُ في الهواءِ فقالَ : ألكَ حاجةٌ ؟ فقالَ إبراهيمُ عليه السلام : أما إليك فلا )) : هذه الرواية أخرجها ابن جرير في تفسيره (1) . وفي تاريخه (2) من طريق الحسن قال: حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي عن بعض أصحابه قال :
" جاء جبريل إلى إبراهيم عليه السلام ، وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار ، قال : إبراهيم ، ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا " والحديث بهذا الإسناد لا يصح ؛ لأن فيه جهالة أصحاب المعتمر بن سليمان التيمي ، وقد ذكره البغوي في تفسيره (3) بلفظ أعم من هذا اللفظ ، وقال : " وروي عن أبي بن كعب " ثم ذكره وفيه زيادة في آخره وهي قوله : "حسبي من السؤال علمه بحالي " وهذه الزيادة منكرة وباطلة ؛ قال شيخ الإسلام : " أول هذا الحديث معروف وهو قوله : ( إما إليك فلا ) وأما قوله ( حسبي من سؤالي .. ) فكلام باطل ؛ لأنه خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم الله ومسألتهم إياه ، وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة كقولهم : (( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) ( البقرة : 201 ) ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها ، فكيف يكون مجرد العلم مسقطاً لما خلقه وأمر به ؟ والله أعلم " (4) .
(1) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (17/45) .
(2) - تاريخ ابن جرير (1/148) .
(3) - تفسير البغوي (3/250) .
(4) - مجموع الفتاوى (8/539) .