فهذه السُّنة مخرجها من أهل البيت وأهل المدينة الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار ، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا لها أضبط (1) .
ومن ذلك : ما روي عن مالك رضي الله عنه أنه قال : " لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه يدعو ولكن يسلم ويمضي "( (2) وقال مالك أيضاً : " ذلك لأن هذا هو المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول : السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبت أو يا أبتاه ، ثم ينصرف ، ولا يقف يدعو " (3) . فرأى مالك ذلك من البدع .
{ الشبهة الخامسة عشرة ]
[ عرضُ جبريلَ على إبراهيمَ أن يغيثه فلو كان ذلك شركاً لما فعله ]
ولهمْ شبهةٌ أخرى : وهي قصةُ إبراهيمَ لما أُلقيَ في النارِ ، اعترضَ لهُ جبريلُ في الهواءِ فقالَ : ألكَ حاجةٌ ؟ فقالَ إبراهيمُ عليه السلام : أما إليك فلا "
قالوا : فلو كانتِ الاستغاثةُ بجبرائيلَ شِركاً لم يعرضْها على إبراهيمَ.
فالجواب : أن هذا من جنس الشبهةِ الأولى ، فإن جبريل عليه السلام عرضَ عليه أن ينفعَهُ بأمر يقدرُ عليهِ ، فإنَهُ كما قال الله تعالى فيه : (( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى )) [ النجم : 5] . فلو أذنَ اللهُ لهُ أن يأخذَ نارَ إبراهيمَ ، وما حولَها من الأرضِ ، والجبالِ ، ويُلقيها في المشرقِ أو المغربِ لفعلَ ، ولو أمرَهُ الله أن يضعَ إبراهيمَ في مكانٍ بعيدٍ عنهم لفعلَ ، ولو أمرَهُ أن يرفعَهُ إلى السماءِ لفعل .
(1) - اقتضاء الصراط المستقيم ص 224 ، وإغاثة اللهفان (1/151) ، وانظر : كتاب الدعاء للعروسي (2/610) وما بعده .
(2) - انظر : منهاج السنة 2/444.
(3) - أخرجه مالك في الموطأ 1/166، والقاضي إسماعيل ص 81، وهو صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهم .