وحاجة الناس إلى العلم والتذكير به – خاصة علم التوحيد الذي يتوقف عليه نجاة العبد يوم القيامة – أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، كما قال الإمام أحمد : "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين ، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه " (1) ؛ لذا فقول هذا الجاهل أو المتجاهل ( إن التوحيد فهمناه ) مع وقوع الأذكياء من هذه الأمة بعد القرون المفضلة في الإشراك بالله ، مما يدل على بطلان هذه المقولة الزائفة والعبارة الزائغة ، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يرسخ في القلوب أمر التوحيد ، ويقشع عنها ظلمة الشرك ، حتى وهو في لحظة الاحتضار صلى الله عليه وسلم نجده يندد ويحذر مما فعله مشركو أهل الكتاب باتخاذ القبور مساجد ، وهذا القرآن كله في أمر التوحيد ؛ تبييناً لمعالمه وإيضاحاً لمقاصده ، ومع ذلك كله قد كثر في الأمة الشرك بالله ، فبنيت المساجد والمشاهد على القبور ، وصرفت لها العبادات بأنواعها ، واتخذ ذلك ديناً ، فكيف يقال : إن التوحيد فُهم ؟ وحالة الأمة على هذا الوضع المزري الذي يندي له الجبين ، مما يؤكد لك زيف هذه المقولة ، وكونها من أبطل الباطل ، ومن كيد الشيطان لإضلال الإنسان . حمانا الله وإياكم من كيده وشره .
قوله : ( وتفيدُ أيضاً : أن المسلمَ المجتهدَ إذا تكلم بكلامِ كُفْرٍ ، وهو لا يدري فنبِّه على ذلك فتابَ من ساعتِه أنه لا يكفرُ ؛ كما فعلَ بنو إسرائيلَ والذين سألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ) :
(1) - المصدر السابق ص 7 .