قوله : ( فكيف يدعي شيئاً وهو لا يعرفهُ ؟ ) : إذا كان لا يعرف معنى العبادة ، فكيف يدعي العلم بها ، وأنه من أهلها وهو جاهل بحقيقتها ؟ - وهذا ما يسمى بالجهل المركب - وبهذا وأمثاله أصيبت الأمة ؛ فإن مثل هذا قد يضل بسببه فئام من الناس : إما لجاهه ، أو لماله ، .. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العلماء ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) (1)
قال الإمام الطرطوشي : " فتدبر هذا الحديث فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم ، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فيؤتى الناس من قبله ... قال مالك بن أنس : بكى ربيعة يوماً بكاءً شديداً ، فقيل له : أمصيبة نزلت بك ؟ فقال : لا ولكنه استفتي من لا علم عنده " (2) . فرحم الله ربيعة ، كم عرف عظم هذا الأمر حتى أبكاه ، يقول الله عز وجل : ( قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) [ الأعراف : 33] .
قال ابن القيم : " فذكر سبحانه المحرمات الأربع مبتدئاً بالأسهل منها ، ثم ما هو أصعب ثم كذلك حتى ختمها بأعظمها وأشدها وهو القول على الله بلا علم " (3) .
(1) - رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر ( 1/194 الفتح ) ومسلم ورقمه (2673) .
(2) - كتاب البدع والحوادث ص 53.
(3) - نقلاً من التفسير المجموع له المسمى بدائع التفسير (2/2008) .